خبرني - أطلق مركز مؤشر الأداء (كفاءة) دراسته الجديدة بعنوان "واقع التعليم المهني (BTEC) في الأردن"، والتي أعدها فريق البحث بالمركز بدعم من المؤسسة الأوروبية للديمقراطية، بهدف تقييم واقع تطبيق برنامج "BTEC" في المدارس الأردنية، ورصد أثره في تجويد مخرجات التعليم المهني وربطها باحتياجات سوق العمل.
واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل المحتوى والوثائق ذات العلاقة، وإجراء مقابلات ومجموعات تركيز مع عينة من الطلبة والمعلمين والإداريين والخبراء وممثلي القطاع الخاص، مع مراعاة التمثيل الجغرافي والتنوع في التخصصات والجندر، إلى جانب تحليل المؤشرات الإحصائية المتاحة والتجارب الدولية ذات الصلة.
وأظهرت الدراسة أن برنامج "BTEC" يدرس حاليا في أكثر من 330 مدرسة موزعة على مختلف محافظات المملكة، وأظهرت بيانات العام الدراسي 2024/2025 مشاركة أكثر من 33,600 طالب وطالبة في المستويين الثاني والثالث، فيما تجاوز إجمالي الملتحقين بالبرنامج منذ انطلاقه عام 2012 أكثر من 74,000 طالب وطالبة
وعلى الصعيد الأكاديمي، كشفت الدراسة أنّ خريجي "BTEC" من المستوى الثالث يحققون نسبة استمرارية للسنة الجامعية الثانية بلغت 91%، متجاوزة بذلك متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 88%، ومتوسطي الولايات المتحدة (76.7%) وأستراليا (76.1%)، كما ترتفع رواتب هؤلاء الخريجين بنسبة تتراوح بين 7% و 9% مقارنة بأقرانهم من حملة المؤهلات المهنية الأخرى في المستوى نفسه.
وعلى محور العدالة في الوصول، سجلت الدراسة أعلى نسبة رضا ضمن هذا المحور عند 72.8%، وذلك فيما يتعلق بتوفر فرص متكافئة بين الذكور والإناث للالتحاق بمختلف تخصصات "BTEC"، بما فيها التخصصات غير التقليدية. وتعليقاً على هذه النتيجة، أوضحت إدارة برنامج "BTEC" في وزارة التربية والتعليم أنّ هذه النسبة تعكس، في جانب منها، ضعف مشاركة الطلبة أنفسهم في إبداء رغباتهم عبر المنصة الإلكترونية المخصصة لذلك، مشيرة إلى أنّ استحداث تخصصات وشعب جديدة يخضع لدراسة جدوى اقتصادية وعلمية تشترط حداً أدنى قدره 25 طالباً راغباً بدراسة التخصص المعني.
غير أنّ الدراسة رصدت، عبر تحليل نتائج مجموعات التركيز، تبايناً واضحاً في مستوى جاهزية محاور البرنامج الستة؛ فبينما حصلت مواءمة المناهج مع متطلبات سوق العمل على تقييم إيجابي بلغ 76.2%، وكفاية البنية التحتية من مختبرات وورش على 76.6%، لم يتجاوز مستوى التعاون بين المدارس والقطاع الخاص لتوفير تدريب ميداني حقيقي نسبة 51.6%، وهي أدنى نسبة رضا مسجَّلة في الدراسة بأكملها، كما لم يتجاوز مستوى الوعي المجتمعي بقيمة البرنامج لدى الطلبة وأولياء الأمور 52.2%، واعتراف أصحاب العمل في القطاع الخاص بشهادة "BTEC" عند التوظيف بـ 52.2% أيضاً.
وفي هذا السياق، أكد فريق البحث في مركز مؤشر الأداء - كفاءة أنّ "الفجوة الأبرز التي تحدّ من أثر البرنامج ليست في مضمونه التعليمي، بل في مدى وضوح الصورة أمام الطالب وأسرته بعد إنهاء المستوى الثالث؛ إذ لا يزال جزء كبير من الطلبة وأولياء الأمور يجهل ماذا يعني هذا المسار عملياً من حيث القبول الجامعي والفرص المهنية، وهو ما يجعل الاستثمار في الوعي والإعلام ووضوح مسارات التقدم أولوية لا تقل أهمية عن أي تطوير آخر في البرنامج".
كما أشارت الدراسة إلى أنّ عدالة التوزيع الجغرافي للمدارس المقدمة للبرنامج حصلت على 63.4% فقط، في حين بلغت نسبة الرضا عن وضوح مسارات التقدم الأكاديمي والتجسير الجامعي لخريجي "BTEC" 53.4%، ما يعكس، بحسب الدراسة، حاجة إلى خريطة توزيع أكثر توازناً، وأدلة إرشادية واضحة تبيّن للطلبة وأولياء الأمور ماذا يحدث بعد التخرج من حيث القبول الجامعي والاعتراف المهني.
واختتمت الدراسة بعدد من التوصيات، أبرزها الانتقال من التوسع الكمي في عدد المدارس إلى التجويد المؤسسي عبر معايير وطنية موحدة للبنية التحتية والتقييم العملي، وإلزامية الشراكة مع القطاع الخاص من خلال اتفاقيات تدريب ميداني حقيقي، وإطلاق استراتيجية إعلامية وطنية تعيد تشكيل الصورة الذهنية عن التعليم المهني اعتماداً على قصص نجاح الخريجين، إلى جانب إنشاء نظام بيانات وطني مركزي يربط وزارة التربية والتعليم ووزارة العمل وهيئة تنمية المهارات والقطاع الخاص، لقياس الأثر الحقيقي للبرنامج على التوظيف والدخل ومسارات التعليم العالي.
وتأتي هذه الدراسة في إطار جهود مركز مؤشر الأداء – كفاءة لتزويد صنّاع القرار بتحليلات علمية مستندة إلى الأدلة، بما يخدم أولويات رؤية التحديث الاقتصادي 2033 الهادفة إلى تأهيل مليون شاب وشابة بمهارات تنافسية عالمياً، وترسيخ التعليم المهني كرافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأردن.



