*
الثلاثاء: 28 تموز 2026
  • 28 تموز 2026
  • 10:30
تمكين المرأة والشعارات الزائفة
الكاتب: رامي المشاقبة

كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن "تمكين المرأة" حتى غدا شعاراً يُرفع في كل محفل، وعنواناً للتقارير والندوات والمشاريع الممولة، حتى أصبح من أكثر المصطلحات تداولاً في الخطاب السياسي والإعلامي والتشريعي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أي تمكين يُراد للمرأة؟ أهو تمكين يحفظ كرامتها، ويعزز مكانتها، ويقوي الأسرة والمجتمع، أم تمكين يهدم القيم، ويفكك الأسرة، ويقطع المرأة عن دينها وهويتها ومجتمعها؟

فالمتابع للواقع يدرك الفارق الكبير بين تمكين حقيقي يبني الإنسان ويعزز استقرار الأسرة، وبين شعارات جوفاء تُستهلك في الخطابات والمؤتمرات، بينما تفتح في الواقع أبواب التفكك والهدم تحت عناوين براقة.

فالمرأة في ديننا، وفيما تربينا عليه، لها كرامتها ومكانتها الرفيعة. 
فهي الأم التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، والبنت التي جعل الإحسان إليها سبباً للأجر العظيم، والزوجة التي أوصى بها خيراً. 
ومن هنا فإن التمكين الحقيقي هو الذي يصون هذا التكريم، ويوفر لها تعليماً رصيناً، وبيئة آمنة، وتشريعات تحفظ حقوقها بما ينسجم مع ديننا وقيمنا وهويتنا.

فالتمكين الحقيقي ليس صراعاً مع الرجل، ولا تمرداً على الأسرة، ولا قطيعة مع الدين والعادات، وإنما هو احترام لعقل المرأة، وتعزيز لدورها الطبيعي في بناء الأسرة والمجتمع.

أما الشعارات الزائفة، فهي خطاب يرفع الصوت ويخفي الفراغ. 
تصور الحرية على أنها قطيعة مع الدين والعرف وصلة الرحم، وتصنع صراعاً مفتعلاً بين الرجل والمرأة، فتحول العلاقة التكاملية بينهما إلى خصومة دائمة، وتكتفي بالمظاهر الإعلامية، بينما تغيب الحلول الحقيقية التي تحفظ الأسرة وتصون المجتمع، حتى أصبح التمكين عند البعض يُقاس بالتجرد من الأخلاق والقيم والأعراف، لا بالعلم والعمل والالتزام بالمبادئ والأدوار.

وفي سبيل ذلك، سُلخت المرأة من كثير مما تربت عليه، ومن وقارها، ومن دورها في أسرتها، وصُورت على أنها لا تحقق ذاتها إلا إذا تنكرت لهويتها ودينها وماضيها، وكأن النجاح لا يكون إلا بقطع الجذور التي صنعت شخصيتها.

ولم تتوقف آثار هذه الشعارات عند هذا الحد، بل انعكست أيضاً على سوق العمل بصورة أوجدت كثيراً من الإشكالات الاجتماعية. فقد اتجهت بعض السياسات، تحت عنوان "التمكين" إلى تقديم المرأة على الرجل في عدد من القطاعات والوظائف، وقد أسهم ذلك في ارتفاع معدلات بطالة الشباب، وألقى بظلاله على فرص الزواج، فزاد من معدلات العنوسة، وأوجد ضغوطاً اقتصادية واجتماعية انعكست على استقرار الأسرة، وأسهمت في زيادة حالات التفكك والطلاق، بدلاً من تحقيق التوازن الذي يخدم الأسرة والمجتمع.

وقد خلفت هذه الشعارات مزيداً من التفكك والجرائم الأسرية. فبدلاً من أن تكون الأسرة ملاذاً وسنداً، تحولت في كثير من الحالات إلى ساحة للخلاف والصراع.

ولم يدخر عملاء المنظمات جهداً في عقد المؤتمرات والندوات لتجهيل المرأة، ودفعها إلى الانسلاخ عن مجتمعها، وتصوير الدين والقيم والعادات والتقاليد على أنها عدو لها، مع أنها كانت عبر القرون الحصن الذي حفظ كرامتها وصان مكانتها.

وهنا يبرز السؤال: أين كان الخارج، وأين كانت منظماته، وأين كان العاملون تحت مظلتها، عندما كانت المرأة في غزة تُقتل تحت القصف، وتُهجر من بيتها، وتفقد أبناءها وزوجها؟ 
وأين كانوا عندما نزفت المرأة في سوريا، وشُردت، أو عندما عانت المرأة في العراق واليمن وأفغانستان والسودان من ويلات الحروب والفقر واللجوء وفقدان الأمن ؟ 
وأين كانت بياناتهم ومؤتمراتهم وشعاراتهم آنذاك؟ ولماذا يغيب صوتهم أمام هذه المآسي الإنسانية، بينما يرتفع في قضايا وشعارات لا تمس جوهر معاناة المرأة ؟

إن هذا التناقض يكشف أن كثيراً من زيف تلك الشعارات لم يكن موجهاً إلى حماية المرأة بقدر ما كان موجهاً إلى الترويج لأجندات وأفكار بعيدة عن معاناتها الحقيقية . 
فالمرأة التي تُقتل، أو تُهجر، أو تُحرم من الأمن والاستقرار، تحتاج قبل كل شيء إلى من يحمي حياتها وكرامتها، لا إلى مزيد من المؤتمرات والشعارات التي لا تغير من واقعها شيئاً.

لقد دمرت هذه الشعارات المرأة، وجعلت منها أداة للاستهلاك الإعلامي، فبعد أن كانت رمزاً للعفة والاحترام، أصبحت صورتها تُستغل في المؤتمرات والمنصات الإعلامية، ثم تُترك وحدها لتواجه واقعاً لا يوفر لها الأمان ولا الاستقرار.

ولم تقف هذه الشعارات عند حدود الخطاب، بل تبعتها تغييرات في التشريعات والقوانين أثرت سلباً في نسيج المجتمع. فبدلاً من معالجة القضايا الجوهرية، كالتعليم النوعي، والحماية الأسرية، والتماسك المجتمعي، ذهب بعض المفسدين والعملاء الذين لا يريدون خيراً للأردن وأهله إلى تعديلات شكلية أربكت الأعراف، وزادت الفجوة بين القانون والواقع.

وعندما مررت هذه التشريعات، وروج لأفكار دخيلة تحت شعار "المرأة وتمكينها وحقوقها" ضربت خصوصية المجتمع الأردني وقيمه بعرض الحائط، وكل ذلك باسم "مظالم المرأة" و"تمكينها" بينما كان الواقع يقول غير ذلك تماماً.

ومن الأمثلة على ذلك ما جرى في بعض التعديلات على قوانين الأسرة، التي جاءت استجابة لضغوط وإملاءات خارجية لا تنسجم مع طبيعة مجتمعنا ولا مع منظومة القيم التي يقوم عليها. 
فتم تمرير نصوص تستورد مفاهيم غريبة عن بيئتنا، وتضرب في عمق العلاقة الزوجية والأسرية بحجة الحداثة وحقوق الإنسان، متناسية أن الأسرة في مجتمعنا تقوم على المودة والرحمة والقوامة والمسؤولية المشتركة، وكانت النتيجة مزيداً من التفكك والصراع داخل البيوت، بدلاً من أن يكون القانون حامياً للأسرة وصائناً لها.

والمثال الآخر تمثل في مشروع تعديل قانون الإدارة المحلية، الذي نص على تعيين امرأة نائباً للرئيس دون المرور بالانتخاب. 
وقد يبدو القرار تحت عنوان التمكين، لكنه في جوهره يضرب مبدأ الاستحقاق الشعبي، ويعطي انطباعاً بأن الوصول إلى مواقع المسؤولية لا يكون عبر الكفاءة وثقة الناخبين، بل عبر التعيين والاستثناء وتوصيات الخارج.

إن نتائج هذه الشعارات لم تكن بناءً، بل هدماً. 
فقد هدمت الثقة داخل الأسرة حين أوهمت أن الأهل عائق، وهدمت معنى القوامة حين صورتها تسلطاً، وهدمت قدوة الأجيال حين اختزلت قيمة المرأة في مظهر أو شعار، كما هدمت الثقة في مؤسسات الدولة حين أوحت بأن الحلول تأتي من الخارج لا من الداخل. 
ومجتمع تُهدم قواعده من الداخل لا يحتاج إلى من يهدم أسواره من الخارج.

إن المرأة لا تريد تمكيناً يُشقيها ويهدر كرامتها، وإنما تريد تمكيناً يحفظ كرامتها، ويصون عفتها، ويعينها على المحافظة على أسرتها وأطفالها وزوجها، لا تمكيناً يهدم بيتها ويقطع أواصرها. فالمرأة لم تُخلق لتشقى، وشعار المساواة لا يكون بإلغاء الفوارق الفطرية، وإنما بمعرفة الحقوق والواجبات، واحترام الدور الذي تقوم به داخل أسرتها ومجتمعها.

إننا لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات الرنانة، بل إلى تمكين حقيقي يبني ولا يهدم، ويحفظ حرمة المرأة وكرامتها وأسرتها وقيمها، ويحقق العدالة بما يحفظ حق الرجل والمرأة معاً ويعزز استقرار الأسرة والمجتمع.

فالمرأة الأردنية تستحق بناءً لا هدماً، وكرامةً لا مساومة، وفعلاً صادقاً لا شعارات، وتمكيناً حقيقياً يحفظها، لا مشروعاً يهدمها باسم التمكين.

مواضيع قد تعجبك