خبرني - تواصل حرائق الغابات اجتياح مناطق واسعة في أوروبا، إذ شهد هذا الصيف اندلاع حرائق غابات في فرنسا وألمانيا واليونان وإسبانيا والبرتغال، مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية على مدار الأيام الماضية.
وكانت فرنسا وإسبانيا الأكثر تضرراً من الحرائق. ويواجه آلاف رجال الإطفاء، في فرنسا وإسبانيا لليلة الخامسة على التوالي، حرائق واسعة النطاق في الغابات، وزار ملك إسبانيا فيليبي والملكة ليتيزيا بعض المناطق المتضررة ومراكز إيواء الفارين من حرائق مدريد، فيما ترأس الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اجتماع "خلية أزمة وزارية مشتركة" في مقر وزارة الداخلية بباريس، يوم الاثنين لمتابعة تداعيات الحرائق.
وشهدت أوروبا موجات حرارية قياسية منذ بداية الصيف مما فاقم المخاوف من اندلاع مزيد من الحرائق، واندلعت حرائق الغابات في أوروبا خلال ذروة الموسم السياحي في منطقة تعرضت لموجات حر متتالية، حيث جفت مناطق الغابات والأحراش بسبب نقص الأمطار منذ شهر مايو/أيار.
ومنذ بداية العام وحتى 22 تموز/يوليو، تم رصد 1,254 حريقاً في أوروبا، ما أدى إلى انبعاث أكثر من 8.31 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، بحسب تقارير أوروبية.
وتم إجلاء ما يقرب من 260 ألف شخص في جميع أنحاء فرنسا، بينما تم إجلاء أكثر من 90 ألف شخص في إسبانيا من المناطق المحيطة بمدريد وأفيلا.
آلاف الوفيات في فرنسا
في فرنسا، التي كانت الأكثر تضرراً، تكافح السلطات لاحتواء حريق هائل بالقرب من بوردو التهم مساحة من الأرض تعادل أربعة أضعاف مساحة باريس، وصدر أمر، ليل الأحد - الاثنين، بمغادرة نحو 55 ألف شخص المناطق المحيطة بمدينة بوردو، في منطقة جيروند جنوب غرب البلاد، خلال الليل.
ومن جانبه، قال وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إن وضع حرائق الغابات في مناطق معينة من البلاد "غير مواتٍ للغاية" بعد "ليلة صعبة" أخرى في مكافحة الحرائق.
وكتب نونيز في منشور على إكس، أن الحريق في منطقة جيروند في جنوب غرب فرنسا أصبح "شديد الانتشار وغير متوقع" في بداية الليل، "مولداً رياحه الخاصة" و"منتشراً بشكل عشوائي باتجاه منطقة بوردو الحضرية".
وقال إنه تسبب في أضرار جسيمة، حيث احترقت مساحة تبلغ 42 ألف هكتار، واضطرت خمس بلديات إضافية إلى الإخلاء خلال الليل.
يعزز ارتفاع درجات الحرارة المخاوف من انتشار المزيد من الحرائق، وحذرت هيئة الأرصاد الفرنسية، يوم الاثنين، من موجة حر جديدة تبدأ الثلاثاء، حيث تصل درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية في بعض المناطق.
وأعلنت الوكالة الوطنية للصحة العامة في فرنسا أن البلاد سجّلت 5,700 حالة وفاة أكثر من المعتاد خلال موجة الحر التاريخية في يونيو الماضي، مما يرفع بشكل حاد تقديراتها للحصيلة التي يخشى الوصول إليها جراء درجات الحرارة القياسية غير المسبوقة.
وقالت الوكالة الفرنسية إن المناطق التي ضربتها موجة الحر في الفترة من 17 يونيو/حزيران إلى 2 يوليو/تموز سجلت 21 ألفاً و674 حالة وفاة لجميع الأسباب، لكن الفارق بين الوفيات المتوقعة والفعلية، وهو إجمالي 5,764 حالة، يعتبر بالتالي وفيات "إضافية" خلال موجة الحر.
وأعلنت شركة السكك الحديدية الفرنسية (إس أن سي أف) وشركات الطرق السريعة، توقف القطارات السريعة في جنوب بوردو باستثناء تلك المتجهة إلى تولوز، وإغلاق الطريق السريع بين بوردو وبايون.
وأوصت الشركة بتأجيل رحلات القطارات المقررة إلى المناطق المتضررة حتى يوم الجمعة 31 يوليو/تموز، ونظراً لانتشار حرائق الغابات في منطقتي جيروند ولاند، تم إغلاق الطريق السريع في كلا الاتجاهين بين بوردو وبايون منذ مساء الأحد، وتوصي شركة فينشي، المسؤولة عن إدارة هذا الطريق، بتأجيل الرحلات، وتنصح باستخدام الطرق البديلة "لتجنّب عبور مقاطعة جيروند قدر الإمكان وتسهيل الاستجابة لحالات الطوارئ".
وأعلنت السلطات الفرنسية نشر 2,500 فرد من فرق الإطفاء، من بينهم فريق إطفاء سويسري، و1,500 عسكري، ونحو 1,200 فرد من الشرطة لمكافحة الحرائق في جيروند. كما تمّ إجلاء نحو 55 ألف شخص، والتهمت النيران 3,600 هكتار في منطقة لاندز الجنوبية الغربية.
"وحش ناري" في إسبانيا
وفي إسبانيا، لا تزال حالة الطوارئ بسبب الحرّ والحرائق مرتفعة. وقالت فيرجينيا باركونيس، رئيسة جهاز الحماية المدنية الإسباني، لمحطة التلفزيون الحكومية TVE إن إسبانيا تحارب "وحشاً نارياً" تسبب في "حالة طوارئ هائلة".
وأعلنت الحكومة الإسبانية حالة الطوارئ الوطنية مساء الخميس، بعد أن هددت حرائق الغابات مناطق بالقرب من العاصمة وفي مقاطعة آفيلا المجاورة، وتسمح حالة الطوارئ الوطنية للحكومة المركزية بتولي السيطرة الكاملة على الصلاحيات والمسؤوليات التي عادة ما تكون من اختصاص المناطق ذاتية الحكم في إسبانيا.
وقالت فيرجينيا في تصريحات صحفية: "في خضم أزمة حرائق الغابات الوطنيّة هذه، نتعامل مع حرائق يمتد محيطها على 280 كيلومتراً وتغطي 77 ألف هكتار".
وعلى الرغم من التقارير التي تحدثت الاثنين عن احتواء المناطق الرئيسية المتضررة من حرائق مدريد، فإن رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، تحدث لاحقاً عن "ساعات صعبة قادمة".
وحذرت الهيئة الوطنية الإسبانية للأرصاد الجوية، في آخر تحديث لها، من أن خطر حرائق الغابات لا يزال مرتفعاً في الأجزاء الشرقية والجنوبية من إسبانيا.
كما أكد البيان على المخاوف المتعلقة بارتفاع درجات الحرارة الأسبوع المقبل، وأضاف: "وسيشهد الأسبوع المقبل طقساً أكثر حرارة، لذا سيزداد الخطر خلال الأيام المقبلة".
وتشارك وحدة الطوارئ العسكرية بالجيش الإسباني في مكافحة الحرائق، وأعلنت أن 1,200 جندي، مدعومين بـ 400 مركبة، يكافحون ثلاثة حرائق كبرى في مدريد وأفيلا وفالنسيا.
موسم الحرائق بدأ مبكراً
تتوقع أوروبا عدداً "قياسياً" من حرائق الغابات هذا العام، بسبب الحرارة العالية.
وشرحت مفوضة الاتحاد الأوروبي لإدارة الأزمات، الحاجة لحبيب، في حديثها مع بي بي سي الوضع، قائلة: "في العام الماضي، احترق مليون هكتار خلال فصل الصيف، ولذلك نتوقّع أن نواجه رقماً قياسياً تاريخياً آخر لأن الموسم بدأ في وقت مبكر من العام".
وأضافت: "يتوقع خبراء الأرصاد الجوية، للأسف، موجة حرّ أخرى، لذا نتوقع اندلاع حرائق غابات أخرى".
وفي تطور مقلق، قالت منظمة الصحة العالمية لأوروبا إن حرائق الغابات باتت أكثر تكراراً وأكثر شدة في القارة.
وسجلت الحرائق زيادة في البرتغال وإسبانيا بنسبة 100 في المئة هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
منذ عام 2022، ارتفع عدد حرائق الغابات بنسبة 57 في المئة في إقليم منظمة الصحّة العالمية الأوروبي.
وبحسب نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي، بلغت المساحة المحترقة في الاتحاد الأوروبي 254,388 هكتاراً حتى 22 تموز/يوليو، وفق أحدث بيانات المركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية.
وفي فرنسا، كشفت بيانات أقمار اصطناعية تابعة لنظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي عن تجاوز إجمالي المساحة المحترقة هذا العام الرقم الذي سُجل في العام 2022، واحترق حتى الآن 69 ألفاً و473 هكتاراً، مقارنة بحوالي 66 ألفاً و300 هكتار في 2022.
تغير المناخ والسحب النارية
أرجع رئيس مكتب أوروبا في منظمة الصحة العالمية، هانس هنري بي. كلوجه، أسباب تزايد الحرائق هذا العام إلى تغير مناخ أوروبا بشكل لافت.
وقال: "دفع تغيّرُ المناخ العالمي الطقسَ نحو مزيد من الاحترار، نحن بحاجة إلى الاستعداد لحرائق غابات أكثر تكراراً وأشد عنفاً".
وتتسبب الحرائق في تدمير مصدر الحياة للآلاف من البشر في أوروبا وتجبرهم على الفرار بسبب تلوث الهواء على بُعد أميال من مكان اندلاعها.
وأضاف كلوجه أن الآثار الصحية "تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من ألسنة اللهب".
فدخان حرائق الغابات يمكن أن يقطع مئات الكيلومترات، فيفاقم تلوث الهواء بعيداً عن منطقة الحريق، وهو يحتوي على مزيج خطير من الملوثات، مثل الجسيمات الدقيقة PM2.5 وثاني أكسيد النيتروجين (NO2) والأوزون والهيدروكربونات العطرية والرصاص.
كما أن الحرائق تلتهم المنازل أو المباني، ويمكن أن تطلق أيضا مواد كيميائية سامة من الأجهزة الإلكترونية والأثاث والبلاستيك والدهانات، ما يولد أنظمة جوية خاصة بها تسمى "السحب النارية".
ومن أبرز الأمثلة على ذلك سحب البيروكومولونيمبوس، أو العواصف الرعدية الناتجة عن الحرائق، وهي أشد أنواع السحب النارية خطورة، وتتكوّن من كميات كبيرة من الطاقة والحرارة التي ترتفع بسرعة في عمود دخان، وعندما يصل إلى ارتفاع كافٍ، يتسبب انخفاض الضغط الجوي في تبريد الهواء، فيتكثف البخار مكوناً سحابة. ويمكن لهذه السحب أن تُولّد صواعق البرق ورياحاً عاتية.
وإذا كان حريق الغابات كبيراً وشديداً، فإن عمود الدخان الناتج عنه قد يشكل سحابة ركامية نارية، والتي يمكن أن تصل إلى ارتفاعات تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً وتخترق طبقة الستراتوسفير. وتطلق عليها وكالة ناسا اسم "تنين السحب الناري".
وتتسبب هذه السحب النارية في مخاطر كبيرة، لأنها قد تخلق رياحاً تجعل حرائق الغابات في الأسفل تنتشر بشكل أسرع، وأحياناً تولد برقاً يمكن أن يُشعل المزيد من الحرائق في أماكن أبعد.
يقول الخبراء إن هبات الرياح القوية يمكن أن تخلق أنماط حرائق لا يمكن التنبؤ بها، وبالتالي تجعل الظروف أكثر خطورة على رجال الإطفاء الذين يكافحون الحرائق على الأرض.



