المدرج الجنوبي في جرش، الليلة قبل الماضية، تحوّل إلى صالة عرض لمحرك عتيق يرفض التقاعد.
امتلأت المدرجات. ارتفعت الهواتف في الهواء كأضواء عدّاد يُشير إلى الامتلاء الكامل.
وقبل أن يخرج من جورج وسوف حرف واحد، سبقته الحناجر بهتاف يعرفه الجميع عن ظهر قلب:
«أبو وديع!»
كلمة واحدة، ومحرك كامل يشتغل في الذاكرة.
«وديع» ليس لقبا عابرا. هو الابن البكر الذي رحل عام 2023، وترك في محرك أبيه عطبا لا يُصلَّح، يتكرر صداه كل مرة يعتلي فيها الأب المسرح.
الهتاف صار نداءً لغائب، ونعياً يتكرر في كل حفلة، حتى صار الحزن جزءاً من الفرح.
الجمهور يردد الاسم، ولا يشعر أنه يفتح جرحاً قديماً.
هو فقط يُعيد تشغيل شيء توقف إلى الأبد.
في الليلة نفسها التي احتضنت فيها جرش صوت جورج وسوف، كان بشار الأسد — الذي أدار بلدا بمفتاح واحد لا يُشارك — يعيش خارج سوريا، بعيداً عن القصر الذي كان مركز القرار، بعدما توقّف كل ما كان يدور حوله.
وجورج وسوف، الذي عُرف يوماً بقربه من تلك السلطة، ما زال يقف تحت الأضواء، وتسبقه الأغنية كسيارة عتيقة تعرف طريقها إلى القلوب من دون خريطة، ولا يهمّها كم صار صوت محركها خشناً.
هذه ليست محاكمة لفنان، فالعلاقة بين الفن والسلطة في عالمنا العربي حكاية طويلة ومعقدة، وبعد سقوط النظام اكتفى وسوف برسالة قصيرة تمنى فيها لسوريا مستقبلا أفضل، واختار الصمت خياراً يحترم تنوّع مشاعر جمهوره، من دون تحميله أبعاداً لم يصرّح بها.
لكن جرش لم تكن تناقش السياسة الليلة الماضية.
كانت تستعيد أغنية.
وهنا قوة جورج وسوف الحقيقية.
فالأصوات، كالمحركات، تتغيّر مع العمر.
الحنجرة التي هزّت الثمانينيات ليست هي نفسها اليوم. هناك خشونة أكبر، ونفس أقصر، وقرارات موسيقية أكثر حذراً، أشبه بمحرك يخفّض السرعة كي لا ينهار في المنتصف، فالزمن يترك أثره في كل شيء يدور.
لكن هنا المفارقة الساخرة: الجمهور يغفر لصوته ما لا يغفره التاجر لسيارته المستعملة!
لو كانت هذه سيارة، لطالب المشتري بخصم على الخشونة وتأخّر التسارع.
لكنها ليست سيارة، إنها الذاكرة، ولا تُقاس بعدد الأحصنة، بل بعدد المرات التي أعادتك فيها أغنية إلى عمر لم تعد تملكه.
الجمهور في جرش لم يأتِ ليختبر الصوت. أتى ليستعيد عمراً كاملاً.
بعض الأغاني تبقى لا لأنها الأجمل دائماً، بل لأنها تتحوّل إلى بوابة لعمر بأكمله.
أغنية واحدة قد تُعيد شخصا غاب، أو بيتا قديما، أو وجها كان يجلس إلى جانبنا ذات مساء.
هنا سر جورج وسوف: لم يعد مطربا يغني أغانيه فقط.
أصبح محركا مشتركا، يشتغل كل مرة يضغط فيها الجمهور على مفتاحه.
لهذا لا يقارن الجمهور صوته اليوم بصوته بالأمس، هو يقارن عمره هو بعمر الأغنية.
وحين يصرخ المدرج «أبو وديع»، فهو ينادي معه نسخته القديمة من نفسه، تلك التي كانت أخف حملاً وأكثر قدرة على تصديق أن الأيام لا تتغيّر.
«زمن الطيبين» لا يعني دائما أن الماضي كان أفضل. أحيانا يعني فقط أننا كنا مختلفين.
الزمن لا يعيد الأشخاص. يعيد فقط إحساسنا القديم بهم.
أما حياة جورج وسوف وما رافقها من جدل، فتبقى جزءا من صورة الفنان الإنسان، لا هامشاً عليها.
فهو لم يقدّم نفسه يوما بلا أخطاء، واعترف بتجارب قاسية مرّ بها، وتحدّث عن مراحل صعبة في حياته.
وربما لهذا بقي قريبا من جمهوره: الناس لا ترتبط دائما بمن يبدو كاملا، أحيانا ترتبط بمن يكشف ضعفه ثم يعود واقفا أمامها.
المحركات المثالية مملة. المحركات التي تصرخ أحيانا وتتعثر أحيانا هي التي نحبها، لأنها تشبهنا!
في جرش، التصفيق لم يكن لصوت فقط. كان لسنوات كاملة سكنت البيوت، ولذكريات رفضت أن تغادر.
خرج جورج وسوف من خلف الستار، وخرج معه زمن كامل، لم يعد موجودا إلا في الأغاني.
وبينما كانت الأضواء تملأ المدرج، بقي السؤال معلقا: هل نصفّق للفنان؟ أم للأسطورة التي صنعناها حوله لأننا نحتاجها؟
ربما بعض الفنانين لا يبقون لأن أصواتهم لم تتغيّر، بل لأن جمهورهم قرر أن يحملهم معه.
حين تصبح الأغنية جزءا من حياة الناس، يصبح الجمهور شريكا في الصوت، لا مجرد مستمع له.
وهكذا يبقى أبو وديع، لا لأنه هزم الزمن، بل لأنه تصالح معه، وحمل ندوبه أمام الناس من دون أن يخفيها.
وحين يصبح الحنين أقوى من الزمن، لا يعود الفنان يغني للجمهور، بل يصبح الجمهور، من خلاله، يغني لحياته التي مضت.
العروش تتهاوى. ويبقى محرك واحد، صدئ ومتعب، فقد ابنه ولم يفقد صوته، يشتغل بلا حراسة، بلا حرس جمهوري، بلا شيء سوى التصفيق.
شغّلوا المحرك.
فأبو وديع لا يزال يغني للحياة التي مضت... وللحياة التي لم تأتِ بعد!



