ليس كل نقدٍ للوطن طعناً فيه، ولا كل اعتراضٍ على السياسات أو الممارسات انتقاصاً من الأشخاص أو إنكاراً للإنجازات. فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى من يبالغ في تلميعه فهو يفرض نفسه، وتظهر ثماره كما تظهر الشمس في وضح النهار، يراها الجميع ولا يحجبها رأي مخالف.
أما النقد، فهو ليس خصومة مع الدولة، بل شراكة في حمايتها. نحن لا نمارس الشخصنة، ولا نصنع معارك مع الأفراد، بل نحاكم الأفكار والقرارات والنتائج، لأن الأوطان لا تُدار بالمجاملات، وإنما بالمراجعة الصادقة والمساءلة الواعية.
حبنا للوطن ليس شعاراً نردده، بل مسؤولية نتحملها. وربما نعاني جميعاً من نرجسية جماعية في عشق هذا الوطن والخوف عليه، ولذلك نرفض أن يصبح الصمت فضيلة إذا كان ثمنه مستقبل أبنائنا. فالنقد البنّاء ليس رفاهية فكرية بل واجب وطني يسعى إلى إصلاح الواقع قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب علاجها.
فلا وطن بلا شعب، ولا دولة قوية بمواطن صامت يخشى قول الحقيقة.
و المواطنة ليست التصفيق الدائم، بل الوعي، والنصح، وتحمل الواجبات، والمطالبة بالحقوق، والدفاع عن المصلحة العامة. ومن يخلط بين النقد والإساءة، أو بين المحاسبة والعداء، لم يدرك بعد أن الأوطان تتقدم بالعقول التي تصحح المسار، لا بالأصوات التي تزين الأخطاء.
هناك من يضيق صدره بأي ملاحظة، وكأنك حين تقول له: هذا القرار يحتاج إلى مراجعة، يسمعها: أنت مستهدف. إنها العقلية ذاتها التي إذا قلت لصاحبها:هذا البنطال لا يناسبك، ظن أنك تهاجمه، بينما الحقيقة أنك تشير إلى ما يمكن إصلاحه، لا إلى من يكون.
رفقاً بأنفسكم... ورفقاً بحالنا... ورفقاً بهذا الوطن. فأسوأ ما يمكن أن نقدمه لوطن نحبه، أن نكذب عليه، أو أن نطلب من الآخرين أن يفعلوا ذلك او ان يكذب علينا المسؤولون .



