في أروقة المحاكم، لا تُعرض أوراق الدعاوى وحدها، بل تُفتح صفحات من المعاناة الإنسانية، وتُروى حكايات كان أصحابها يتمنون ألا تغادر جدران بيوتهم. فكل ملف يحمل قصة، وكل قضية تخفي وراءها قلبًا أنهكه الظلم، وأسرةً أنهكها الصمت، وامرأةً لم تلجأ إلى القضاء إلا بعد أن استنفدت كل سبيل للإصلاح.
ومن خلال ما نشاهده في المحاكم، يتكرر مشهد مؤلم يكاد يكون واحدًا وإن اختلفت الأسماء والوجوه. يظهر زوجٌ جعل العنف لغةً للحوار، فلا يتردد في ضرب زوجته وإيذائها، متناسيًا أن الرجولة لا تُقاس بقوة اليد، وإنما بحسن المعاملة وصون الكرامة.
ويظهر آخر لا يرى في زوجته شريكة حياة، بل وسيلةً لتحقيق مصالحه، فيستولي على ثمرة تعبها، ويستغل جهدها وإنفاقها، بينما يتنصل من أبسط واجباته الشرعية والقانونية.
ولا يقف الأمر عند ذلك، فهناك زوجٌ يهجر بيته وأسرته، فلا يعود إلا في ساعات متأخرة من الليل للنوم، تاركًا زوجته تواجه وحدها أعباء التربية والمسؤولية، وكأن وجوده في الأسرة مجرد اسم لا دور له. وآخر يختفي بالأيام، فلا يسأل عن زوجته ولا عن أبنائه، ثم يعود مطالبًا بحقوقه الزوجية، متناسيًا أن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات.
ويظهر أيضًا زوجٌ يتخذ من التهديد والابتزاز وسيلةً لإخضاع زوجته، فيلوّح بحرمانها من أبنائها، أو بطلاقها، أو بحرمانها من حقوقها، معتقدًا أن القوة تكمن في التخويف، بينما الحقيقة أن من يلجأ إلى الترهيب إنما يعجز عن الاحتكام إلى العدل والحوار.
وفي زوايا أخرى من تلك الملفات، يظهر زوجٌ اعتاد الكذب حتى أصبحت الحقيقة غريبة عن لسانه، وآخر استباح العلاقات المحرمة، غير مدرك أنه لا يخون زوجته فحسب، بل يهدم أسرته ويزرع الشك والخذلان في نفوس أبنائه. وثالثٌ يرى أن الاحترام حقٌ له وحده، بينما يواجه زوجته بالإهانة والتقليل من شأنها وكسر كرامتها، حتى يغدو البيت مكانًا للخوف بدلًا من أن يكون موطنًا للأمان.
وفي ملفات أخرى، تقف زوجات يطالبن بحقوقٍ ليست ترفًا ولا امتيازًا، وإنما حقوق كفلها الشرع والقانون. فالنفقة ليست مِنّةً من الزوج، وإنما التزام شرعي وقانوني، والامتناع عنها مع القدرة على أدائها لا يعكس ضيقًا في المال بقدر ما يكشف خللًا في الضمير، واستخفافًا بالمسؤولية التي حملها الزوج يوم ارتضى هذا الميثاق الغليظ.
وليس من صور الظلم ما يكون ظاهرًا في الضرب أو الحرمان من النفقة فحسب، بل قد يكون الظلم صامتًا؛ حين يُحاصر أحد الزوجين الآخر بالإهمال، أو بالإذلال المستمر، أو بحرمانه من الشعور بالأمان والاستقرار، فالكلمة الجارحة قد تترك أثرًا لا يقل وجعًا عن أثر الاعتداء، والإهمال المتكرر قد يهدم أسرةً كاملة كما يهدمها العنف.
إن المؤلم في هذه القضايا ليس وقوع الخطأ فحسب، بل إصرار بعض الأزواج على تبرير أفعالهم، وكأن الكذب أصبح ذكاءً، والخيانة حريةً شخصية، والإهانة وسيلةً لإثبات الرجولة، وحرمان الزوجة والأبناء من النفقة حقًا مكتسبًا. وهذه المفاهيم ليست سوى صور من الظلم الذي يهدم الأسرة من الداخل قبل أن يصل بها إلى قاعات المحاكم.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن كثيرًا من النساء لا يلجأن إلى القضاء عند أول إساءة، بل بعد سنوات من الصبر، ومحاولات الإصلاح، والتنازل حفاظًا على الأسرة والأبناء. لكن حين يصبح الظلم أسلوب حياة، وتُهدر الكرامة، ويُستباح الوفاء، ويُصبح الخوف هو اللغة السائدة داخل البيت، يغدو القضاء الملاذ الأخير لاسترداد الحقوق، لا وسيلةً للانتقام.
إن المحاكم لا تهدم البيوت، وإنما تستقبل بيوتًا هدمها الظلم قبل وصولها إليها. فالخصومة القضائية ليست بداية المأساة، بل هي في كثير من الأحيان فصلها الأخير، بعد أن فشلت الصراحة، وضاعت الثقة، وغاب الاحترام، وتخلى بعض الأزواج عن مسؤولياتهم الأخلاقية والشرعية والقانونية.
فالزواج ليس عقدًا يمنح أحد الطرفين سلطةً على الآخر، وإنما ميثاق يقوم على السكن والمودة والرحمة، ويُبنى على الحقوق المتبادلة قبل المطالبة بها. ومن يظن أن القوة في الظلم، أو أن السيطرة تُغني عن الاحترام، فإنه لا يهدم شريك حياته فحسب، بل يهدم أسرته ومستقبل أبنائه قبل كل شيء.
ولهذا، فإن بناء الأسرة لا يكون بالشعارات، وإنما بالصدق، والوفاء، والاحترام، وتحمل المسؤولية. فمن أراد بيتًا مستقرًا، فليكن عادلًا قبل أن يكون صاحب سلطة، وليؤدِّ واجباته قبل أن يطالب بحقوقه، لأن العدالة تبدأ من داخل المنزل، قبل أن تُكتب في صحيفة دعوى، أو يُنطق بها في قاعة محكمة.
فخلف كل دعوى تُنظر في المحكمة، قد يكون بيتٌ كان يمكن إنقاذه لو حضر العدل قبل الخصومة، ولو انتصر الضمير قبل أن ينتصر القانون. فالقضاء يعيد الحقوق ما استطاع، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يعيد القلوب التي كسرها الظلم.
تنويه:
يستند هذا المقال إلى نماذج وقائع تظهر في عددٍ من القضايا المنظورة أمام المحاكم الشرعية، ويعكس صورًا واقعية تتكرر في بعض الملفات القضائية، دون أن يُقصد به التعميم أو وصف جميع الأزواج أو الأسر. فما زالت هناك أسرٌ تقوم على المودة والرحمة، وأزواجٌ يؤدون واجباتهم بأمانة، كما توجد حالات يكون فيها الزوج هو المتضرر. والغاية من هذا المقال هي تسليط الضوء على بعض صور الظلم الأسري، والدعوة إلى ترسيخ قيم العدل والاحترام وصون الأسرة، باعتبارها أساس المجتمع.



