أثارت الاتفاقية الاقتصادية الأخيرّة الموقّعة بين المملكة الأردنية الهاشمية والولايات المتحدة الأمريكية موجة واسعة من النقاش السياسي والاقتصادي حول طبيعة المكاسب المتحققة ومدى صواب تصويرها كـ "إنجاز حكومي". وتعود جذور هذه الأزمة إلى قرار أحادي اتخذته الإدارة الأمريكية بفرض تعرفة جمركية مرتفعة بلغت 25% على الصادرات الأردنية المتجهة إلى الأسواق الأمريكية، وذلك تحت ذريعة وجود فائض في الميزان التجاري لصالح الأردن، مما يعني أن قيمة ما يصدّره الأردن لأمريكا تتجاوز حجم مستورداته المباشرة منها.
شكل هذا القرار تهديداً مباشراً لعدة قطاعات حيوية، وفي مقدمتها قطاع صناعة المحيكات والغزل والنسيج الذي يمثل الركيزة الأساسية للصادرات الأردنية نحو السوق الأمريكي. وأمام هذا الواقع والضغوط الشديدة، وجدت الحكومة الأردنية نفسها مضطرة للدخول في مفاوضات مع الجانب الأمريكي بهدف تخفيف حدة القرارات الجمركية وتقليل أضرارها؛ حيث أسفرت المباحثات عن تخفيض التعرفة من 25% إلى 10%، وذلك مقابل تقديم الأردن تنازلات جمركية واستثمارية واسعة النطاق استجابة للشروط التي فرضتها واشنطن.
واشتملت التنازلات والمطالب الأمريكية المتبادلة على تقديم إعفاءات جمركية لسلع أمريكية مُستوردة، وكان على رأسها قطاع السيارات الذي يُتوقع أن يشهد نشاطاً كبيراً ومؤقتاً داخل السوق المحلي الأردني. وفي المقابل، تضمنت الالتزامات والتعهدات الأردنية حزمة ضخمة من المشاريع والصفقات بلغ مجموع قيمتها نحو 3.2 مليار دولار، وتوزعت بين مشاريع قديمة وأخرى مستحدثة شملت استثمارات لشركة الحكمة للأدوية لبناء مصنع في ولاية أوهايو بقيمة مليار دولار، بالإضافة إلى صفقة الملكية الأردنية لشراء طائرات بقيمة 1.5 مليار دولار واستئجار طائرات أخرى بقيمة 500 مليون دولار، فضلاً عن زيادة استيراد المواد الأولية بقيمة 300 مليون دولار.
خلاصة الأمر، فإن هذه الأرقام والالتزامات تؤكد أن الاتفاقية تمثل خياراً اضطرارياً لحماية قطاعات قائمة من الانهيار التام بدلاً من كونها مكسباً تفاوضياً يُروج له كإنجاز حكومي. وبذلك تظل الاتفاقية في حقيقتها "شراً لا بد منه"، حيث صبت مفاعيلها الأساسية في صالح الاقتصاد الأمريكي، بينما اكتفى الأردن بتقليل خسائره ودفع كلفة باهظة من التنازلات للحفاظ على النزر اليسير من مكتسباته التصديرية.



