*
السبت: 25 تموز 2026
  • 25 تموز 2026
  • 20:15
حين يرقص الزلزال وتموت الحمامة وهي تطير
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

خبرني - ليست مشكلة الأمم دائمًا في الحاكم وحده، بل في الجوقة التي تحيط به. فالحاكم، مهما بلغ من السلطة، يبقى إنسانًا قد يصيب وقد يخطئ، أما المنافق فهو مصنعٌ دائم لتحويل الخطأ إلى معجزة، والفشل إلى انتصار، والهزيمة إلى عبقرية سياسية.
يروي التاريخ أنه عندما وقع زلزال في مصر زمن المماليك، سارع أحد شعراء النفاق إلى نظم بيتٍ أصبح شاهدًا على أن التزلف لا يعرف حدودًا:
ما زُلزلت مصرُ من كيدٍ أُريد بها
لكنها رقصت من عدلكم طربًا.حتى الزلازل، في قاموس النفاق، لم تعد غضبًا من الطبيعة، بل رقصة إعجاب بالحاكم 
ولم يكتفِ التاريخ بهذه اللوحة الساخرة، بل أهدانا حكاية أخرى. خرج أحد الزعماء في رحلة صيد، وأطلق رصاصته نحو حمامة، فأخطأها تمامًا. وقبل أن تستوعب الحمامة أنها نجت، صاح أحد كبار المنافقين: "سبحان الله... ميتة وهي طايرة!" وكأن الحقيقة نفسها مطالبة بأن تنحني أمام رغبة السلطان، وأن تتغير قوانين الحياة حتى لا يُقال إن الزعيم أخطأ التصويب.
وهكذا يصنع النفاق عالمًا موازيًا؛ عالمًا لا تسقط فيه المشروعات، بل "تؤجل نجاحها"، ولا ترتفع فيه الأسعار، بل "ترتقي"، ولا تتراجع فيه الخدمات، بل "تعيد تعريف الجودة". وإذا ضاق الناس بمعيشتهم، قيل لهم إنهم لا يدركون عمق الخطة الاستراتيجية التي ستؤتي ثمارها في مستقبل لا يأتي.
إن أخطر ما يفعله المنافقون أنهم يعزلون الحاكم عن الحقيقة. فلا يسمع أنين الفقراء، ولا يرى طوابير العاطلين، ولا يلمس تراجع التعليم أو الصحة، لأن كل شيء، في تقارير الحاشية، يسير على أفضل ما يكون. وإذا ظهرت أزمة، فالمذنب دائمًا هو المواطن، أو المؤامرة، أو الطقس، أو العالم كله... إلا الإدارة.
وحين يصبح المديح وظيفة، تتحول الدولة إلى مسرح كبير؛ الوزير يمثل، والإعلامي يصفق، والمستشار يبالغ، والشاعر يكتب أن الزلازل ترقص، وأن الرصاص يصيب الطيور قبل أن يصل إليها، وأن الشمس لا تشرق إلا بعد أن تستأذن من مكتب الزعيم.
لكن الأمم لا تنهار بسبب النقد، بل بسبب غيابه. ولا تترهل لأن هناك من يقول الحقيقة، بل لأن الحقيقة تُحاصر، بينما يُفتح للمنافقين كل باب ومنبر ومنصب. فكلما ازداد التصفيق، قلّ الإصغاء، وكلما ارتفعت أصوات المادحين، خفتت أصوات العقل.
وهكذا نمضي، من سيئ إلى أسوأ، لا لأننا نفتقر إلى الكفاءات، بل لأننا نمنح المنافقين مفاتيح المشهد. فهم لا يبنون وطنًا، بل يبنون مرايا ضخمة لا يرى الحاكم فيها إلا صورته، حتى يصدق أن الزلازل ترقص طربًا بعدله، وأن الحمائم تموت احترامًا لطلقاته.
وحين تصل الأمم إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال: لماذا تراجعنا؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: كم من الحقيقة دفنها التصفيق؟

مواضيع قد تعجبك