*
السبت: 25 تموز 2026
  • 25 تموز 2026
  • 16:21
عندما تُهزم الكفاءة قبل أن تبدأ المنافسة
الكاتب: عمر الدريني

ليست الأوطان القوية هي التي تُكثر من إعلان الوظائف، بل تلك التي تجعل كل وظيفة شهادةً حية على أن الكفاءة لا تزال الطريق الأقصر إلى النجاح، فالإعلان عن شاغر وظيفي ليس ورقة تُنشر على موقع إلكتروني أو في صحيفة، بل رسالة أخلاقية للمجتمع مفادها أن جميع المتقدمين يقفون على خط بداية واحد، وأن ما سيُرجّح كفة أحدهم هو ما يملكه من علمٍ وخبرةٍ واستحقاق.

غير أن هذه الرسالة تفقد قيمتها عندما يتسلل إلى الوعي العام اعتقادٌ بأن بعض نتائج التوظيف قد تكون محسومة قبل أن تبدأ المنافسة، سواء كان هذا الاعتقاد صحيحًا في حالة معينة أو مجرد انطباع في أخرى، فإنه يستحق الوقوف عنده؛ لأن المؤسسات لا تعيش بالقوانين وحدها، بل تعيش أيضًا بثقة الناس في عدالة تطبيقها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة ليس أن تتعرض للنقد، وإنما أن يفقد المجتمع يقينه بأن أبوابها تُفتح على قدم المساواة، فالثقة بخلاف الأنظمة والتعليمات، لا تُفرض بقرار إداري، بل تُبنى عبر ممارسات متكررة يشعر الناس معها بأن العدالة ليست شعارًا، وإنما سلوك يومي.

حين يدخل المتقدم إلى غرفة المقابلة، لا يحمل شهاداته فقط، بل يحمل سنواتٍ من التعب، وأحلام أسرته، وإيمانًا بأن مجهوده قد يجد من يقدّره، ولذلك، فإن المقابلة ليست مجرد أسئلة وأجوبة، وإنما لحظة يختبر فيها الإنسان عدالة المؤسسة بقدر ما تختبر المؤسسة قدراته.

ولا يصح أن يُفهم هذا الحديث على أنه تعميم على جميع جهات التوظيف، فهناك مؤسسات تقدم نماذج مشرقة في النزاهة والموضوعية، وتختار موظفيها وفق معايير واضحة ومعلنة، لكن وجود حالات يُثار حولها الجدل يفرض مسؤولية أكبر على الجميع، لأن السمعة المؤسسية لا تُقاس بعدد الإجراءات، بل بدرجة الثقة التي تتركها في نفوس الناس.

إن العدالة في التوظيف لا تعني أن يحصل كل متقدم على الوظيفة، فهذا أمر غير ممكن بطبيعة المنافسة، لكنها تعني أن يحصل كل متقدم على فرصة حقيقية لإثبات نفسه، وأن يكون القرار النهائي ثمرة تقييم موضوعي يمكن تفسيره والدفاع عنه أمام الرأي العام.

فإذا غابت هذه القناعة، فإن الخاسر لا يكون المرشح وحده، بل المؤسسة أيضًا، إذ تخسر فرصة استقطاب أفضل الكفاءات، ويبدأ أصحاب الخبرة بالبحث عن بيئات أكثر إنصافًا، بينما تتسع الفجوة بين المواطن ومؤسساته، وتتراجع قيمة الاجتهاد في الوعي الجمعي.

ولذلك، فإن الشفافية ليست خيارًا تجميليًا، بل ضرورة استراتيجية. فإعلان معايير التقييم، وتشكيل لجان مستقلة، وتوثيق الدرجات، وإتاحة وسائل الاعتراض والمراجعة، كلها أدوات لا تهدف إلى تعقيد الإجراءات، بل إلى حماية القرار نفسه، وإقناع المجتمع بأن النتيجة لم تكن وليدة المجاملة أو النفوذ، وإنما ثمرة الاستحقاق.

لقد أثبتت التجارب أن المؤسسات التي تضع الكفاءة في مقدمة أولوياتها لا تكسب موظفين أكفاء فحسب، بل تكسب احترام المجتمع وثقته، أما المؤسسات التي تُضعف هذا المبدأ، ولو من خلال انطباعات متكررة بعدم العدالة، فإنها تدفع ثمنًا يتجاوز حدود الوظيفة؛ لأنها تُضعف الإيمان بأن المستقبل يُبنى بالعمل، لا بالوساطات أو التصورات المسبقة.

وفي نهاية المطاف، لا يحتاج الباحث عن عمل إلى ضمان الفوز، بل إلى ضمان العدالة، فهو يدرك أن المنافسة تقتضي وجود رابح وخاسر، لكنه يريد أن يكون الفارق بينهما هو الكفاءة، لا أي اعتبار آخر. وعندما يتحقق ذلك، تصبح الوظيفة مكافأةً للاستحقاق، وتصبح المؤسسة أكثر قوة، ويصبح المجتمع أكثر ثقة.

إن الأمم لا تُقاس بعدد الوظائف التي تخلقها فقط، بل بعدد الأحلام التي تحافظ عليها، وحين يشعر كل متقدم أن بوسعه أن يصل بعلمه وجهده، فإن الوطن بأسره يكون قد فاز، لأن العدالة ليست انتصار فرد على آخر، بل انتصار قيمة على كل ما يناقضها.
 

مواضيع قد تعجبك