في كل جدار، وفي كل غصن، ترتبط عقولنا عند رؤيتها بإحساس عميق، وكأننا نرى في الجدار أو الغصن أشخاصًا وحكايات، وقصصًا تمتد بعبقها وإنجازات أبطالها.
القصة بدأت عندما ذهبت إلى الديوان الملكي الهاشمي. ظننت أنني ماضية لزيارة مؤسسة بطابع رسمي، أشرح فيها مبادرتي ثم أغادر، مستثمرة الفرصة للتعرّف أكثر إلى هذا المكان الذي يحتل مكانة خاصة في قلب كل أردني.
لكن ما إن وطئت قدماي المكان، حتى تبدّد ذلك التصور تمامًا. لم أدخل مبنىً رسميًا، بل شعرت وكأنني دخلت إلى جزء من ذاكرتي. في تلك اللحظة، عادت إليّ مشاعر الطفولة، وعاد معها كل ما تربيت عليه من معاني الانتماء والفخر بهذا الوطن. لم يحدث لي هذا الإحساس ذاته في أي مكان زرته من قبل؛ لأن هذا المكان أعادني إلى جذوري، إلى الأرض التي صنعت جزءًا أصيلًا من هويتي، وغرست في داخلي القيم التي كبرت عليها. شعرت بفخر لا يوصف لانتمائي إلى هذا الوطن، وأدركت أن ما نحمله في داخلنا من حب للأردن لا تخلقه المسافات ولا يغيبه الغياب، بل يزداد رسوخًا كلما عدنا إليه. عندها أدركت أنني في بيت الأردنيين جميعًا، حيث الراحة والاستقرار، وكأنني في كل بيت من بيوت بلدتي القديمة.
إن الزائر لهذا الصرح العظيم يجد في أشجاره السكينة والوقار، وفي رائحة القهوة تاريخ الآباء والأجداد. فلم تكن يومًا قهوة استقبال كالمعتاد، بل كانت بضيافتها، وبرائحتها، ونكهتها، قصةً تروي عظمة المكان، وتزيده روعةً بهويته الوطنية، هوية الأردن والأردنيين.
جدران تحتضنك وكأنها تنتظرك لتخبرك بأنك على تراب هذا الوطن العظيم، في بيت الهاشميين، لينتابك الشعور، هنا أو هناك، بأنك في أمان، وفي قلب الوطن، حيث تهمس لك حواسك وعقلك وقلبك بأنك في بيتك، في وطنك، في حضرة الديوان الملكي الهاشمي.
لم ترافقني حلول عظيمة لنقل أعظم التجارب العالمية، ولكني شعرت أن بين يدي إنجازًا عظيمًا؛ فصوتك مسموع، وفكرك ينال التقدير، ورأيك مصان ويؤخذ به. وقد تجسّد ذلك جليًا في الإنصات الواعي والدعم والرعاية لمبادرة “جوردانيات” (Jordanian American Women – Jordaniyat)، التي انطلقت برؤية تؤمن بأن الحفاظ على هوية أبناء الأردنيين أينما كانوا هو استثمار في مستقبل الوطن.
وهي رسالة أعتز بأن تؤمن بها نخبة من السيدات، وأن يحرصن على إشراك أبنائهن في فعالياتها، ليحملوا معهم ارتباطهم بجذورهم الأردنية وإرث آبائهم وأجدادهم، إلى جانب اعتزازهم الكامل بالأوطان التي وُلدوا ونشأوا فيها. فغايتنا ليست أن نطلب منهم الاختيار بين هويتين، بل أن يبقى الأردن حاضرًا في وجدانهم، وأن يظل الجزء الأردني من هويتهم مصدر فخر واعتزاز، وهم في الوقت ذاته مواطنون صالحون ومخلصون للأوطان التي ينتمون إليها. فنسعى لأن يبقى الجيل الثاني والثالث من أبناء الأردنيين في الولايات المتحدة وحول العالم مرتبطًا بجذوره، معتزًا بهويته المتعددة، وقادرًا يومًا ما على تسخير علمه وخبراته لخدمة الأردن، كلما سنحت له الفرصة.
ربما أطلت في وصف المكان، إلا أنني لن أنسى مدى سعادتي خلال لقائي بمعالي رئيس الديوان الملكي الهاشمي، السيد يوسف حسن العيسوي، الذي تجسدت فيه صورة المسؤول المخلص والقريب من تطلعات الناس واهتماماتهم.
وبما أنني مغتربة عن وطني، فإن الصور التذكارية تمثل بالنسبة لي رابطًا بالغ الأهمية مع الأردن. وحين طلبت التقاط صورة تذكارية، جاءت توجيهات معالي العيسوي باهتمام لافت حين قال: “دعونا نلتقط الصورة تحت صورة جلالة الملك”. ولم تكن تلك الكلمات مجرد تنظيم لبروتوكول التصوير، بل كانت لفتة رمزية ذات عمق كبير، تؤكد أن القيادة الهاشمية هي المظلة الجامعة، الحاضرة دائمًا في قلب كل موقف وكل تفصيلة.
لقد خرجت بانطباع يحفره الامتنان في الروح عن وطن يلهم أبناءه، ومؤسسة تُدار بروح الخدمة الوطنية، لتؤكد أن الفخامة الحقيقية هي تلك التي تحترم الإنسان وترفع من قدره.
كل الشكر والتقدير لهذه الحفاوة، ولهذه الروح الراقية التي ستظل مصدر فخر وذكرى خالدة.
حمى الله الأردن العظيم وشعبه الوفي، وأدام عزّ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وجلالة الملكة رانيا العبدالله، وحفظ سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على هذا الوطن نعمة الأمن والاستقرار، ورفعة قيادته الهاشمية.



