*
الخميس: 23 تموز 2026
  • 23 تموز 2026
  • 19:10
هل تنهي ملاحقة نتنياهو المسيرة المهنية لكريم خان

خبرني  - في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك، تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو غد الجمعة، إذ ستشهد تصويتا حاسما ومصيريا يُجريه الأعضاء الـ125 في الجمعية العامة للدول الأطراف للمحكمة الجنائية الدولية، على عزل المدعي العام للمحكمة، كريم خان، من منصبه؛ في تطور يُعدّ الأكثر خطورة وتأثيرا في تاريخ المحكمة الممتد لـ24 عاما.

تأتي هذه الجلسة الاستثنائية عقب توصيات حاسمة رفعتها هيئة الرقابة التابعة للمحكمة -المكونة من دبلوماسيين يمثلون 21 دولة- دعت فيها صراحة إلى إقالة خان بعدما خلصت إلى أنه ارتكب "سوء سلوك جسيم" يوجب عزله.

وذلك عقب أسبوع واحد فقط من إعلان واشنطن حملة دبلوماسية متجددة لتفكيك المحكمة الدولية، التي تعتبرها تهديدا لسيادة الولايات المتحدة .

 

ما القصة؟

استندت هيئة الرقابة في قرارها إلى تحقيقات أجرتها الأمم المتحدة واستمرت لأكثر من عام كامل بشأن اتهامات بالاعتداء الجنسي، قُدّمت ضد خان من قِبل إحدى مساعداته المباشرات وهي محامية ماليزية في ثلاثينيات عمرها.

وقد تلقت هيئة الرقابة نتائج التحقيق إذ أكد التقرير أن شهادة المساعدة قدّمت "بصراحة ودون تردد وبإيراد تفاصيل جعلت تجاربها قابلة للتصديق"، مشيراً إلى أن الإساءات المزعومة وقعت عدة مرات على مدى شهور في مقر إقامته، وفي رحلات خارج البلاد، وفي مكتبه بمقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال .

وخلُصت نتائج التحقيق إلى ثبوت وجود علاقة جنسية بين المدعي العام ومرؤوسته المباشرة بأدلة أثبتت ذلك بما لا يدع مجالا للشك المعقول، مؤكدة أنه "في سياق عدم التكافؤ هذا في ميزان القوى، لا يمكن لعلاقة جنسية أن تكون مناسبة بأي حال من الأحوال".

في المقابل، ينفي كريم خان وفريقه القانوني هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، في معركة دفاع إجرائية وسياسية، إذ صرّح فريق محامي خان أن قرار هيئة الرقابة "غير قانوني، وغير منصف إجرائيا، وغير مدعوم بأدلة"، مؤكدين اتخاذهم لكافة الخطوات القانونية للطعن فيه.

وقال مسؤولون في المحكمة إن التصويت المقرر غدا الجمعة من المرجح أن يضع معظم أعضاء المحكمة في مواجهة مجموعة أصغر تضم في معظمها دولاً أفريقية وقفت إلى جانب خان خلال التحقيق.

وتكشف المعطيات عن الانقسامات الداخلية بين الهيئات الإدارية للمحكمة والدول الأعضاء فيها، في حين قال مسؤولون من الهيئة الإدارية للمحكمة إنه ينبغي فصل خان لأنه ارتكب سوء سلوك خطيرا، وفقا لوثائق اطلعت عليها رويترز، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الدول الأعضاء ستتبع هذه التوصية.

ولعزله، يجب أن توافق أغلبية مطلقة من 63 دولة على الأقل من أصل 125 دولة عضوا في المحكمة، وذلك في اقتراع سري يُجرى في اجتماع بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، ومن المقرر إجراء التصويت حوالي الساعة الثالثة مساء (19:00 بتوقيت غرينتش).

 

صراع التوقيت

تكتسب هذه التطورات حساسية بالغة بالنظر إلى التوقيت الحرج الذي خرجت فيه للعلن، حيث تخوض المحكمة الجنائية الدولية أزمة غير مسبوقة وانقساماً داخلياً، وسط محاولات واضحة من معارضي المحكمة لاستغلال هذه الاتهامات واستخدامها كسلاح ضدها.

ويأتي هذا التفجر الإداري والسياسي في وقت تدرس فيه لجنة مكونة من ثلاثة قضاة بالمحكمة طلبات شديدة الحساسية السياسية كان قد قدمها خان لإصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.

وأدلى خان للمحققين بأنه يعتقد أن مساعدته تعرضت لضغوط من أطراف ثالثة لتوجيه هذه الاتهامات، إذ كانت المساعدة قد أبلغت زملاءها لأول مرة بالسلوك المزعوم في أبريل/نيسان 2024 أي قبل أسابيع قليلة من إعلان خان سعي المحكمة لإصدار مذكرات الاعتقال.

وسارع نقاد المحكمة إلى استغلال هذه الاتهامات التي علم بها خان لأول مرة قبل أسابيع قليلة من إعلانه الرسمي في مايو/أيار عن طلب مذكرات الاعتقال.

وعلى الرغم من أن المدعي العام تجنب اتهام إسرائيل صراحة بالوقوف وراء هذه الادعاءات، إلا أنه أشار في بيان النفي إلى أنه والمحكمة كانا هدفا لـ "مجموعة واسعة من الهجمات والتهديدات" خلال الأشهر الأخيرة.

وفي هذا السياق، يلمح مسؤولون مقربون من خان بقوة إلى أن الاتهامات قد تكون جزءاً من حملة تشويه تقودها إسرائيل، لا سيما بعدما كشفت تقارير صحفية سابقة عن إدارة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حملة امتدت لعقد من الزمان ضد المحكمة تضمنت تهديدات ومحاولات لتشويه سمعة كبار موظفيها.

وتكهنت صحيفة وول ستريت جورنال بما أسمتها "نظرية جديدة"، ومفادها أن خان سعى لإصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو لتحويل الانتباه عن اتهامات سوء السلوك الجنسي التي هددت بالإسراع باستقالته.

ووصف أحد المسؤولين ممن لديهم معرفة بتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية هذا الادعاء بأنه "غير دقيق"، وأشار مصدر آخر مطلع للغارديان أن القرارات الرئيسية للسعي لإصدار مذكرات اعتقال بحق كبار الشخصيات الإسرائيلية قد اتُخذت بالفعل بحلول الوقت الذي أُحيط فيه خان علما بشكوى سوء السلوك.

 

لماذا كريم خان؟

يُعتبر خان، وهو محام بريطاني صارم، الوجه الأبرز والأكثر نفوذا في تاريخ المحكمة الممتد لـ24 عاما، إذ قاد خلال فترة ولايته التحقيقات الأكثر حساسية وخطورة في عالم يتخبط بالحروب.

ففي عام 2023، استصدر مذكرة اعتقال تاريخية بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن الحرب الروسية الأوكرانية.

وأثارت هذه التحقيقات -لا سيما إصدار مذكرة التفاهم بحق نتنياهو وغالانت- ردود فعل عاصفة، حيث خضع خان ونوابه وعدد من قضاة المحكمة لعقوبات أمريكية فرضتها إدارة ترمب ردا على مذكرات الاعتقال والتحقيقات المتعلقة بأفغانستان، بل ودرس مسؤولون أمريكيون فرض عقوبات الشلل الكامل على المحكمة ككل عبر قطعها عن النظام المالي العالمي.

من جانبها، سعت إسرائيل لإلغاء مذكرات الاعتقال، وادعت أن قرار خان بملاحقة قادتها جاء بدافع التغطية على اتهامات سوء السلوك الجنسي التي تلاحقه واستخدمت القضية كدخان تمويهي، مشيرة وفق تقارير صحفية إلى أنه استشهد بتحقيقات غزة في اتصالاته الخاصة لإقناع الشاكية بالتراجع.

لكن خان نفى قاطعاً أن تكون هذه الاتهامات قد أثرت بأي شكل على قراراته القضائية المستقلة.

ورغم كل الضجيج السياسي المحيط بخلع خان أو إقالته المرتقبة، تؤكد الأطر القانونية للمحكمة أن سقوط المدعي العام لن يؤدي إلى إسقاط مذكرات الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو وغالانت أو غيرهما، كون المذكرات جرى تأكيدها واعتمادها رسميا من قِبل قضاة المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي أصبحت ملكاً للمؤسسة وليست شخصية للمدعي العام.

وحاليا، يتولى نواب خان إدارة مكتب المدعي العام ويواصلون تسيير أعماله منذ خروجه في إجازة طوعية في مايو/أيار الماضي، مما يعني أن المذكرات ستظل نافذة وقائمة ما لم تقنع الطعون القانونية التي تقدمت بها إسرائيل قضاة محكمة الاستئناف داخل المحكمة الجنائية الدولية بإلغائها.

وأيا كانت النتيجة التي ستسفر عنها الجلسة المرتقبة، فإن التصويت لن يضع حداً للانقسامات الداخلية العميقة التي تعصف بالمؤسسة الدولية، ففي حالة الإقالة سيفسر القرار من قبل أطراف عدة على أنه نتاج مباشر للضغوط السياسية التي أعقبت مساعي خان لإصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين كبار، كما ستطلق الإقالة عملية انتخاب لمدعٍ عام جديد، من غير المتوقع أن تنتهي قبل بداية العام المقبل.

وفي حال البقاء والنجاة، سيخرج خان بموقف محاصر بالاتهامات، مما يمنح خصوم المحكمة ونقادها سلاحا جديدا للتشكيك في نزاهتها ومهاجمتها.

وهكذا، تقف المحكمة الجنائية الدولية التي أُنشئت عام 2002 لملاحقة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب حين تعجز الدول عن ذلك عند مفترق طرق حرج، بين الحفاظ على نزاهتها المؤسسية الصارمة، وبين الصمود أمام الضغوط التي تهدد استقلاليتها.

مواضيع قد تعجبك