*
الثلاثاء: 21 تموز 2026
  • 20 تموز 2026
  • 12:44
لغة السماء
الكاتب: الدكتور يزن حتاملة

أخطر الإشارات في حياتنا… تلك التي لا نفهمها إلا متأخرًا

ربما أكثر لحظات العمر تأثيرًا هي تلك التي تمرّ بنا عابرة، وربما موجعة، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت تغيّر طريقنا من حيث لا ندري

كم مرة حدث معك أمرٌ ظننته نهاية ... ثم تبيّن لاحقًا أنه كان بداية ؟

بابٌ أُغلق رغم كل المحاولات ... كلمةٌ جاءت في توقيت غريب ... لقاءٌ لم يكن في الحسبان ... أو شعورٌ داخلي دفعك إلى المضي أو التراجع دون أن تعرف السبب

الإنسان، مهما بدا عقلانيًا وصلبًا، يبقى في أعماقه مؤمنًا بأن هناك حكمة خفية تتحرك خلف المشهد لتؤخر بعض الأمنيات، أو تغلق أبوابًا كنا نظنها خلاصنا ... ثم نكتشف لاحقًا أنها لم تكن لنا

عبر التاريخ ... بدت بعض الأحداث صغيرة أو قاسية في ظاهرها، لكنها كانت تحمل داخلها معنى أكبر من فهم أصحابها في تلك اللحظة. ففي قصة يوسف عليه السلام، بدا البئر نهاية ... وبدا الفقد كسرًا ... وبدا السجن ظلمًا ... لكن تلك المحطات كلها كانت تقود، بهدوء لا يراه البشر ... إلى التمكين في الأرض

وفي التاريخ العلمي، جاء اكتشاف البنسلين من ملاحظة عفنٍ بدا في البداية خطأً مخبريًا عابرًا، غير أن ذلك “الخطأ” فتح بابًا غيّر مسار الطب الحديث

 أحيانًا، ما نظنه خللًا في الطريق، يكون بداية اكتشاف لم نكن نملك بعد القدرة على فهمه

وهذه هي مفارقة الحياة: نعيش بعض الأحداث كأنها فوضى، ثم نفهم لاحقًا أنها كانت تقودنا إلى ما هو أعمق

الإسلام بدوره لم ينظر إلى الكون بوصفه مساحة صامتة من المصادفات، بل عالمًا مليئًا بالآيات والدلالات. يقول الله تعالى:

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾

فالآيات ليست في الكتب وحدها، بل في الحياة أيضًا ... في التأخير، والفقد، واللقاءات، وحتى في التفاصيل التي نظنها عابرة

ومن أعمق ما يجسّد هذا المعنى ما ورد في سورة الكهف، حين كان فقدان الحوت علامةً قادت موسى عليه السلام إلى الرجل الصالح. لم يكن الحوت هو القضية، بل ما وراء الحوت. لذلك قال موسى عليه السلام: ﴿ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ﴾

لم تكن الحادثة تفصيلًا صغيرًا، بل إشارةً تقود إلى رحلة مليئة بالحكمة. وهكذا هي حياتنا أحيانًا؛ قد تأتي الإشارة في صورة تعثرٍ متكرر، وكأن الطريق يخبرك أن هذا المكان ليس لك. وقد تأتي في هيئة راحةٍ غريبة تجاه قرار لا تملك له تفسيرًا، أو في شخص يدخل حياتك فجأة فيغيّر شيئًا داخلك إلى الأبد

حتى العلم الحديث يحاول تفسير جزء من هذه الظاهرة عبر مفهوم الحدس؛ فالدماغ يلتقط إشارات دقيقة من المواقف، والوجوه، ونبرات الصوت، والتجارب السابقة، ثم يحوّلها إلى شعور داخلي بالراحة أو القلق أو الاتجاه الصحي

لكن المؤمن يرى أن العلم قد يفسر الوسيلة، بينما تبقى الحكمة أعمق؛ فالله يدبر الأسباب بلطفٍ لا نفهمه دائمًا في لحظته، لكنه يتكشف لنا حين ننظر إلى الخلف بقلبٍ أكثر هدوءًا

والغريب أننا غالبًا لا نفهم الإشارات إلا متأخرين؛ فنكتشف أن بعض الخسارات كانت حماية، وأن بعض الأبواب المغلقة كانت نجاة، وأن بعض التأخير كان رحمةً لم نكن نملك آنذاك نضج شكرها

وربما المشكلة اليوم ليست في غياب الإشارات، بل في كثرة الضجيج. لقد أصبح الإنسان يسمع كل شيء إلا صوته الداخلي، ويرى كل شيء إلا الآيات التي تمر أمامه كل يوم

في النهاية، حين يُغلق باب ... أو يتأخر أمر ... أو يُزرع في قلبك شعور لا تفهمه ... لا تتعجل الحكم

فبعض الأبواب لا تُغلق عقابًا ... بل رحمة

وبعض الخسارات لا تأخذ منك ... بل تنقذك

وبعض ما نحزن عليه اليوم ... قد نشكر الله عليه غدًا

وربما كانت تلك هي  لغة السماء

 

مواضيع قد تعجبك