*
الثلاثاء: 21 تموز 2026
  • 20 تموز 2026
  • 11:49
من أمريكا إلى أمريكا خلص المونديال وبقي الأمل
الكاتب: نجود المجالي

في  عام 1994، جلست طفلة أمام شاشة التلفاز في بيت أهلي، متحدية فارق التوقيت لا تفهم كثيراً في الخطط التكتيكية ولا في قوانين التسلل، لكنها كانت تفهم جيداً معنى أن يتوقف العالم كل أربع سنوات ليركض خلف كرة. كان كأس العالم بالنسبة لنا موعداً عائلياً مقدساً؛ نجتمع حول الشاشة، نختلف في التشجيع، ونتفق أن تلك الليلة ليست كباقي الليالي.
لم أكن أعلم أن النسخة التي استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك ستكون بداية علاقة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود مع المونديال، وأن النسخة التي عادت إلى أمريكا في عام 2026 ستجدني في مكان مختلف تماماً؛ من ابنة تجلس بين أهلها إلى أم تجلس بين أطفالها، تشرح لهم لماذا نبكي أحياناً بعد خسارة منتخب نحبه، ولماذا نفرح وكأننا فزنا بالكأس عندما يحقق منتخب عربي إنجازاً تاريخياً.
واليوم، وبعد انتهاء كأس العالم 2026، صار علينا أن نعود إلى حياتنا الطبيعية، ونضبط مواعيد النوم التي بعثرها المونديال، ونقتنع أخيراً أن الحياة لا تتوقف على مباراة الساعة الرابعة فجراً، وأن المنبه الذي أجّلناه أكثر من مرة يجب أن يعود للعمل!
بين أمريكا 1994 وأمريكا 2026، لم تتغير كرة القدم فقط، بل تغير العالم كله. تغيرت سياسات الاتحاد الدولي لكرة القدم، وتغير عدد المنتخبات المشاركة، وأصبح المونديال حدثاً سياسياً واقتصادياً وإعلامياً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. تغيرت معايير التنظيم، وتغير الحكام، ودخلت تقنية الفيديو إلى ملاعبنا وأعصابنا، فأصبحنا ننتظر دقائق طويلة قبل أن نسمح لأنفسنا بالاحتفال بهدف.
وتغيرت النتائج التي كنا نظنها مستحيلة. رأينا البرازيل تتلقى سباعية تاريخية، وفرنسا  مع مبابي تعود إلى القمة، وإسبانيا تكتب فصولاً جديدة من مجدها، والأرجنتين تستعيد لقبها، والمغرب يصنع المعجزة العربية والأفريقية في قطر، والأردن يحقق حلم التأهل إلى كأس العالم لأول مرة في تاريخه ليصبح جزءاً من الحكاية التي سنرويها لأطفالنا وأحفادنا.
أما نحن، جمهور المونديال، فقد تغيرنا أيضاً. في عام 1994 كنا نكتب توقعاتنا على ورقة صغيرة ونختلف مع إخوتنا حول هوية البطل. واليوم، أجلس مع أطفالي لنرسم جدول المباريات، ونتحدى بعضنا البعض في توقع النتائج، ونناقش من هو أفضل لاعب في البطولة. أصبح لكل واحد منهم منتخب يشجعه وقصة يحبها، بينما أحاول أن أورثهم ذلك الشعور الذي ورثته عن بيت أهلي؛ أن كأس العالم ليس مجرد مباريات، بل ذاكرة تتناقلها الأجيال.
لكن أكثر ما علمني إياه هذا المونديال، أن العمر ليس مقياساً للحلم.
فكريستيانو رونالدو لم يكن مجرد لاعب بالنسبة لجيلنا، بل درس كامل في الإصرار والانضباط. كلما اعتقد العالم أن الوقت قد انتهى بالنسبة له، عاد ليذكرنا أن الطموح لا يتقاعد، وأن العمر مجرد رقم عندما تكون أحلامك أكبر من سنواتك.
ولوكا مودريتش أثبت أن الخبرة والشغف قادران على هزيمة الزمن، وأن القائد الحقيقي لا تقاس قيمته بعدد سنواته، بل بما يتركه من أثر داخل الملعب وخارجه.
أما نيمار، فقصته تشبه الحياة نفسها؛ نجاحات وإصابات ودموع وانتقادات وعودة مستمرة للحلم. علّمنا أن الطريق إلى المجد ليس مستقيماً دائماً، وأن السقوط لا يعني النهاية.
ثم جاء جيل جديد يحمل رسالة مختلفة تماماً. لامين يامال، ابن الأندلس، ذلك الفتى الذي لم يكن قد وُلد عندما كنا نتابع بعض نسخ كأس العالم، أصبح اليوم أحد أبرز نجوم الكرة العالمية. يذكرنا بأن الأحلام لا تحتاج إلى عمر معين؛ فلا أنت كبير على الحلم، ولا أنت صغير على صناعة التاريخ.
هذا هو كأس العالم بالنسبة لي؛ ليس مجرد أهداف وكؤوس وميداليات، بل حكايات عن الأمل. عن لاعب تجاوز الأربعين وما زال يحلم، وعن قائد يرفض أن يحدد له الزمن موعد النهاية، وعن نجم يبحث عن نفسه بعد العثرات، وعن طفل أصبح حديث العالم وهو في مقتبل العمر.
ومن أجمل ما حملته نسخة 2026 بالنسبة لنا نحن الأردنيين، أنها علمتنا أيضاً أن المستحيل كلمة مؤقتة. فمن كان يصدق أننا سنشاهد منتخب النشامى في كأس العالم يوماً ما؟ ذلك الحلم الذي طالما علقناه على جدران الأمل أصبح حقيقة نعيشها ونرويها لأطفالنا.
ما زلت أتذكر أصوات الفرح التي كانت تملأ منزل أهلي بعد كل هدف، واليوم أسمع الأصوات ذاتها ولكنها تخرج من بيتي. تغيرت الشاشة من تلفاز صغير إلى شاشات عملاقة وهواتف ذكية، لكن الشغف بقي كما هو.
كأس العالم علمني أن الزمن يمضي سريعاً، وأن أجمل ما فيه ليس من رفع الكأس فقط، بل من شاركنا لحظات انتظارها وفرحتها وخيباتها. فمن أمريكا إلى أمريكا، أكثر من ثلاثين عاماً من الذكريات، وأكثر من ثلاثين عاماً من كرة القدم التي جمعت العالم، وجمعتنا نحن أيضاً.
واليوم، وبعد صافرة النهاية، سنعود إلى أعمالنا  ومواعيد نومنا الطبيعية، وسنتوقف عن إقناع أنفسنا بأن "هذه آخر مباراة ولن أسهر بعدها"، وسنبدأ من دون أن نشعر العد التنازلي للمونديال القادم.
خلص المونديال... وبقي الأمل.

نجود محمد المجالي

مواضيع قد تعجبك