*
الثلاثاء: 21 تموز 2026
  • 20 تموز 2026
  • 08:53
حرائق ووفيات وشحّ مائي الحر يحول صيف أوروبا إلى جحيم

خبرني  - أعلنت هولندا "شحًّا مائيا فعليا" بسبب الجفاف، فيما تكافح فرنسا وإسبانيا موجة حرائق استثنائية، في ظل موجات حرارة متتالية قلبت الصورة النمطية للمناخ في أوروبا رأسا على عقب، وتسببت في وفاة الآلاف واضطرابات في النقل والأنشطة الاقتصادية، كما أثارت نقاشات سياسية بشأن سبل إدارة الأزمة.

وقبل شهر حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن ‌درجات الحرارة القياسية -التي اجتاحت غرب أوروبا لفترة تزيد على أسبوع ‌في أواخر يونيو/حزيران- ستزيد خطر اندلاع الحرائق، بالنظر إلى توقعات استمرار ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الرطوبة ‌بشكل كبير وجفاف النباتات، وهو ما تعيشه عدة دول أوروبية لكن من بينها بشكل خاص إسبانيا وفرنسا مؤخرا.

 

حرائق إسبانيا تدخل التاريخ

وفي إسبانيا، أعلنت السلطات -أمس الأحد- أن حريقا كان اندلع الخميس الماضي -على مسافة حوالي مئة كيلومتر شمال مدريد- أتى على 13 ألف هكتار، متسببا في إجلاء مئات الأشخاص.

ومع أن السلطات لم تسجل سقوط ضحايا إلا أن الحريق أثار مخاوف من الإضرار بالنُّظم الإيكولوجية مما يشكل تهديدا لأصناف من النسور والذئاب والفراشات، لا سيما في متنزه "سييرا نورتي" في غوادالاخارا (وادي الحجارة)، حيث يعمل نحو 300 من عناصر الإطفاء على احتواء النيران بمساعدة مروحيات.

ويضاف هذا الحريق إلى آخر اندلع -الأربعاء الماضي- بالقرب من سرقسطة في الشمال الشرقي، فيما تستعدّ إسبانيا لموجة حر جديدة غدا الثلاثاء، مع درجات حرارة قد تتخطى 45 مئوية في بعض المناطق المعزولة.

وشهدت إسبانيا -في الآونة الأخيرة- أحد أشد الحرائق في تاريخها بعد اندلاعه في الأندلس (جنوب) في 9 يوليو/تموز الجاري، مخلفا مصرع 13 شخصا وملتهما 7 آلاف هكتار.

وإجمالا أتت حرائق الغابات على نحو 400 ألف هكتار من الأراضي في إسبانيا العام الماضي، وهو أعلى رقم يسجله في البلاد نظامُ معلومات حرائق الغابات الأوروبي.

ووفق هذا النظام، فقد أتت الحرائق على نحو 82 ألف هكتار من الأراضي في إسبانيا منذ مطلع العام.

 

الحر يطْبق على فرنسا

وفي فرنسا، أدى حريق غابات سريع الانتشار في الجنوب إلى إخلاء عشرات المنازل الأحد وإجلاء 150 شخصا، بينما كافح أكثر من 600 رجل إطفاء وأسطول من طائرات إخماد الحرائق لاحتواء النيران، وفق ما أفادت به السلطات.

واندلع الحريق بالقرب من بلدة دراغينيان في منطقة فار المطلة على البحر المتوسط، حيث ساعدت على تأجيجه الرياحُ القوية والغطاء النباتي الجاف عقب أيام من الحر الشديد.

والتهمت النيران 180 هكتارا وأربعة منازل وألحقت أضرارا بتسعة أخرى، كما أصيب أحد عناصر الإطفاء بجروح طفيفة، وفقا للسلطات المحلية.

ويأتي هذا الحريق في وقت تواجه فيه مناطق جنوب فرنسا موجة حر أخرى، حيث تجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية السبت الماضي.

 

شح مائي في هولندا

ويشير العلماء إلى أن التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية يزيد مدة موجات الحر وشدتها وتواترها، مما يؤدي إلى جفاف الغطاء النباتي ويزيد خطر الحرائق.

لكن مخاطر هذا التغير المولِّد للحرارة الشديدة لا تقتصر على الحرائق. فلطالما مثلت الأنهار إحدى الميزات الطبيعية للدول الأوروبية ولحركة التجارة والنقل والسياحة، ولكن -وبسبب التبخر- فإن أشهرها وهما الراين والميز -اللذان يقطعان هولندا- باتا مؤخرا على المحك.

وقد أعلنت الحكومة الهولندية -في بيان السبت- أن إدارة المياه في البلاد انتقلت إلى "المستوى 2″، الذي يُعرف بأنه حالة "شح مائي فعلي"، مشيرة إلى تراجع خطير لمستوى المياه في النهرين إلى معدلات غير اعتيادية بالنسبة إلى شهر يوليو/ تموز.

ومن جهة أخرى، بدأت آثار هذا الارتفاع في إيطاليا تظهر بوضوح، حيث باتت المحاصيل الزراعية مهددة بشدة جراء موجة الحر الاستثنائية التي ضربت شبه الجزيرة، ولا سيما وادي "بو" الذي يعدّ سلة غذاء البلاد.

 

زيادة في معدل الوفيات

لكن الأخطر من التحولات الطارئة على الموارد الطبيعية هو مدى تأثير الحر في زيادة معدلات الوفيات التي تشهدها أوروبا هذا الصيف، حيث أظهرت بيانات رسمية أن الدول الأوروبية سجلت أكثر من 10 آلاف حالة وفاة زائدة، خلال موجة الحر القياسية التي اجتاحت غرب القارة أواخر يونيو/حزيران الماضي.

ووفقا لبيانات نشرتها شبكة "يورومومو" المدعومة من المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها ومنظمة الصحة العالمية، فإن الغالبية العظمى من الوفيات (أكثر من 9 آلاف حالة) كانت لأشخاص تبلغ أعمارهم 65 عاما فأكثر.

ويرجّح العلماء -على نطاق واسع- التأثير المباشر لموجات الحر في زيادة معدل الوفيات في أوروبا خلال هذه الفترة، مقارنة بالفترات السابقة وبشهر يوليو/تموز في المواسم الماضية.

وفي ألمانيا بدت التقديرات أكثر وضوحا، حيث تشير بيانات معهد "روبرت كوخ" لمكافحة الأمراض إلى أن موجة الحر -التي بدأت في منتصف يونيو/حزيران وشهدت درجات حرارة قياسية- تسببت في وفاة نحو 5100 شخص في عموم البلاد.

وعلميا، يمكن أن تؤدي الحرارة الشديدة إلى الوفاة بسبب ضربة شمس، أو تفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي. ويعدّ كبار السن وحاملو الأمراض المزمنة من بين الفئات الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي المتسارع في أوروبا.

 

ارتفاع استثنائي لدرجات الحرارة بأوروبا

تشهد أوروبا ارتفاعا في درجات الحرارة العالمية بمعدل ضعف المتوسط العالمي، وهو واقع مقلق أكدته أحدث التقارير الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج كوبرنيكوس، والمنشورة في أبريل/نيسان 2026.

ووفقا للبيانات الواردة في التقرير الأوروبي عن حالة المناخ لعام 2025، شهدت القارة الأوروبية ارتفاعا في متوسط درجات الحرارة بمقدار 0.56 درجة مئوية لكل عقد منذ أوائل التسعينيات، مقارنةً بـ0.27 درجة مئوية فقط للمتوسط العالمي.

وعلى سبيل المثال، توقع مرصد رويترز للمناخ أن تصل درجة الحرارة العظمى في منطقة "ليز آرك" الفرنسية -حيث تنتشر النيران- إلى 38 درجة مئوية، أي أعلى بنحو 11.4 درجة مئوية من متوسط الدرجة العظمى المسجل في مثل هذا اليوم (19 يوليو/تموز) خلال الفترة بين عاميْ 1961 و1990.

ويجعل هذا التحول المقلق أوروبا أسرع قارات العالم ارتفاعا في درجات الحرارة، بما في ذلك جبال الألب والمناطق القطبية نفسها التي تشهد ارتفاعاتٍ أكثر حدة، حيث تصل إلى درجتين مئويتين لكل عقد في أرخبيل سفالبارد النرويجي.

وكان 2025 عاما استثنائيا، حيث شهدت 95% على الأقل من أوروبا درجات حرارة أعلى من المعدل، بالإضافة إلى ثاني أشد موجة حر مسجلة في تاريخ القارة.

مواضيع قد تعجبك