خبرني - قبل نحو قرن، وتحديداً في خريف عام 1929، أعلن الاقتصادي الأمريكي الشهير إيرفينغ فيشر أن أسعار الأسهم وصلت إلى «هضبة مرتفعة بشكل دائم».
ولم تمضِ سوى أسابيع حتى انهارت الأسواق الأمريكية في أحد أكبر الانهيارات المالية في التاريخ، لتبدأ حقبة الكساد العظيم التي غيرت الاقتصاد العالمي لعقد كامل.
واليوم، وفقا لتحليل نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، يعود هذا المثال التاريخي إلى الواجهة مع تصاعد التحذيرات من أن سوق الأسهم الأمريكية باتت أكثر تكلفة مما كانت عليه قبل انهيار عام 1929، وأن موجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تدفع المستثمرين إلى مستويات غير مسبوقة من المخاطرة.
ويرى خبراء الأسواق أن ارتفاع المؤشرين يعني أن المستثمرين يدفعون أسعارًا مرتفعة للغاية مقابل الأرباح الحالية للشركات، ما يقلل من فرص تحقيق عوائد قوية خلال السنوات المقبلة، ويزيد احتمالات حدوث تصحيح حاد في الأسعار.
وتشير تقديرات أخرى تعتمد على ما يعرف بـ"عائد CAPE الزائد" إلى الصورة نفسها، إذ انخفض هذا المؤشر إلى نحو 1.4% فقط، مقارنة بمتوسط تاريخي يبلغ 4.7%، وهو ما يعكس أن الأسهم أصبحت مرتفعة القيمة بصورة كبيرة مقارنة بعوائد السندات الحكومية.
ولا تتوقف المؤشرات عند ذلك، إذ يظهر ما يعرف بـ"مؤشر بافيت"، الذي يقارن القيمة السوقية للأسهم بالناتج المحلي الإجمالي، أن قيمة السوق الأمريكية تجاوزت 200% من الناتج المحلي في أوائل عام 2026، وهو مستوى استثنائي تاريخيًا ويزيد بأكثر من ضعفي نظيره في المملكة المتحدة.
طفرة قوية
ويعزو كثير من المستثمرين هذه القفزة إلى الثورة الحالية في الذكاء الاصطناعي، حيث تقود شركات التكنولوجيا الكبرى مثل أمازون، وغوغل، وميتا، ومايكروسوفت، وسبيس إكس، إلى جانب إنفيديا وشركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، موجة استثمار ضخمة مدفوعة بتوقعات تحقيق أرباح هائلة خلال السنوات المقبلة.
كما تحظى شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك بتقييمات مرتفعة للغاية رغم أنها لم تُدرج بعد في البورصة.
خبرات التاريخ
وتزداد المخاوف لأن نحو 40% من القيمة السوقية لمؤشر S&P 500 أصبحت تتركز في عدد محدود من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل السوق بأكمله أكثر اعتمادًا على استمرار هذا الزخم الاستثماري.
ويرى محللون أن استمرار هذه التقييمات المرتفعة يتطلب تحقق أحد احتمالين؛ إما حدوث طفرة كبيرة في إنتاجية الاقتصاد الأمريكي، أو انتقال جزء أكبر من الدخل من العمالة إلى أرباح الشركات.
إلا أن كلا السيناريوهين ليس مضمونًا، بل إن تحقق أي منهما قد يؤدي أيضًا إلى ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، وهو ما يضغط بدوره على تقييمات الأسهم.
تحديات هيكلية
وفي المقابل، تواجه الأسواق العالمية مجموعة متزايدة من المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية. فمن بينها ارتفاع مستويات الدين العام في الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات تقارب ما كانت عليه عقب الحرب العالمية الثانية، مع استمرار العجز المالي الأمريكي عند مستويات تتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب ارتفاع ديون القطاع الخاص عالميًا.
كما يحذر خبراء من تنامي هشاشة النظام المالي نتيجة الاعتماد المتزايد على صناديق التحوط، واتساع دور المؤسسات المالية غير المصرفية، بالإضافة إلى النمو السريع للعملات المستقرة والابتكارات المالية التي لم تخضع بعد لتنظيم كافٍ، وهو ما قد يزيد من احتمالات حدوث اضطرابات مالية إذا تعرضت الأسواق لصدمة مفاجئة.
وتضاف إلى ذلك تحديات أخرى، تشمل تصاعد التوترات الجيوسياسية، والحروب التجارية، وتراجع العولمة، وارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، فضلًا عن الضغوط التي تفرضها الشيخوخة السكانية على المالية العامة، وهي عوامل قد تجعل البنوك المركزية أقل قدرة على السيطرة على التضخم مستقبلًا.
ورغم أن أحدًا لا يستطيع تحديد توقيت التصحيح المقبل أو العامل الذي سيطلق شرارته، فإن التاريخ يشير إلى أن الأسواق التي تبلغ مستويات تقييم مرتفعة للغاية تصبح أكثر حساسية لأي صدمة مالية أو اقتصادية أو سياسية.
ويستند هذا التحذير إلى مؤشر CAPE الذي طوره الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت شيلر، والذي يقيس تقييم الأسهم مقارنة بمتوسط أرباح الشركات المعدلة للتضخم خلال السنوات العشر الماضية. ويبلغ متوسط هذا المؤشر تاريخيًا نحو 17.8 نقطة، بينما سجل في يوليو/تموز 2026 نحو 41.4 نقطة، وهو ثاني أعلى مستوى في أكثر من 140 عامًا، بعد الذروة التي سجلها خلال فقاعة شركات الإنترنت في عام 1999.
ورغم هذه التقييمات المرتفعة، لا تزال الأسهم الأمريكية تهيمن على الأسواق العالمية، إذ تمثل نحو 55% من إجمالي القيمة السوقية لأسواق الأسهم حول العالم، وهو ما يعكس ضخامة الاقتصاد الأمريكي وقوة شركاته العملاقة.
لكن بحسب التحليل، فإن التاريخ الاقتصادي يقدم صورة أكثر تعقيدًا، إذ أن الثورات التكنولوجية الكبرى لا تضمن دائمًا أرباحًا استثنائية للمستثمرين. فقد شهد العالم نمطًا متكررًا يبدأ بموجة استثمارات ضخمة، يعقبها توسع مفرط في الإنتاج، ثم منافسة شرسة وإفلاسات واسعة، قبل أن تستقر الصناعة في نهاية المطاف بعد عمليات اندماج وإعادة هيكلة.



