*
السبت: 18 تموز 2026
  • 18 تموز 2026
  • 10:40
حمّامات خارج البيوت هل أصبحت قضية وطن
الكاتب: عبدالسلام الطراونة

يثيرنا أحيانًا تصريح عابر أكثر مما تثيرنا القضايا الكبرى، فننشغل بإثبات أين كان المرحاض، وننسى أين أصبح العقل.

الروايات الشخصية جزء من ذاكرة الناس، لكنها ليست وثائق تاريخية تُبنى عليها أحكام عامة. وما يرويه شخص عن بيت أو قرية أو مرحلة زمنية معينة يبقى شهادة تستحق الاستماع، لا سببًا لإطلاق الاتهامات أو إثارة الحساسيات.

أما الحقيقة التاريخية، فهي أن وجود المرافق الصحية خارج المنزل كان أمرًا مألوفًا في كثير من البيوت القديمة، ليس في منطقة بعينها، بل في مناطق واسعة من بلاد الشام، بل وفي دول كثيرة حول العالم، قبل انتشار شبكات الصرف الصحي وتطور أساليب البناء. وكانت وراء ذلك أسباب صحية وإنشائية وعملية، إلى جانب بعض العادات والمعتقدات الشعبية التي كانت سائدة لدى بعض الناس، ومنها الاعتقاد بضرورة إبعاد أماكن قضاء الحاجة عن غرف المعيشة.

وليس في ذلك ما يدعو للخجل أو السخرية؛ فكل المجتمعات مرت بمراحل تطور عمراني مختلفة. حتى مدن أوروبية كبرى كانت تضم مراحيض خارج المنازل قبل عقود طويلة، ولم يعد أحد ينظر إلى ذلك إلا بوصفه صفحة من صفحات التاريخ الاجتماعي.

المعيب ليس أن يكون المرحاض خارج البيت قبل ثمانين أو مئة عام، بل أن نُخرج النقاش العام اليوم من قضاياه الحقيقية إلى جدل حول تفاصيل عمرانية تعود إلى زمن مضى.

الأمم الواثقة من نفسها لا تُجمّل تاريخها ولا تخجل منه، بل تدرسه كما هو، وتفهم الظروف التي صنعته، ثم تنظر إلى الأمام. فالتاريخ ليس ساحة للمفاخرة، ولا منصة للإدانة، وإنما سجلٌ لمسيرة تطور الإنسان والمجتمع.

فلنترك البيوت القديمة في زمانها، ولنعُد إلى ما يستحق أن نختلف أو نتفق عليه اليوم. فالأوطان تُبنى بالعلم والعمل والوعي، لا بالجدل حول مكان كان فيه مرحاض قبل عشرات السنين.

مواضيع قد تعجبك