خبرني - لم تعد شركة "إيلي ليلي" (Eli Lilly) الأمريكية تكتفي بكونها كبرى شركات الأدوية في العالم من حيث القيمة السوقية؛ بل باتت العملاقة تتبنى فلسفة عمل مستوحاة من شركات التكنولوجيا الكبرى في وادي السيليكون، مستهدفةً إعادة صياغة صناعة الدواء بأكملها.
وتستهدف إيلي ليلي إعادة صباغة سوق الدواء عبر نموذج ثوري يركز على "الوقاية من الأمراض قبل حدوثها".
ووفقا لتقرير نشرته مجلة الإيكونوميست البريطانية، فبعد مرور نحو 150 عاماً على تأسيس الشركة في مدينة إنديانابوليس الأمريكية عام 1876 على يد إيلي ليلي، الذي أراد آنذاك إرساء معايير علمية صارمة في سوق كان يعج بالعلاجات الزائفة، ترى الشركة اليوم أنها تقف أمام فرصة تاريخية لإحداث تحول جديد في القطاع الصحي العالمي.
وتعكس الأرقام حجم هذا التحول؛ إذ أصبحت "إيلي ليلي" أول شركة أدوية في التاريخ تتجاوز قيمتها السوقية حاجز تريليون دولار، لتنضم إلى نادٍ كانت تهيمن عليه شركات التكنولوجيا.
كما تضاعف سعر سهمها أكثر من ثلاث مرات منذ بداية عام 2023، بينما يتوقع محللون أن تحقق متوسط نمو سنوي في الإيرادات يبلغ نحو 15% حتى نهاية العقد الحالي، وهو معدل يفوق بأكثر من 3 أضعاف متوسط نمو شركات الأدوية المنافسة.
أسباب النجاح
ويعود الجزء الأكبر من هذا النجاح إلى أدوية السمنة من فئة GLP-1، التي أحدثت ثورة في علاج السمنة وأعادت تشكيل سوق الأدوية العالمي. فقد سجل عقار زيبباوند (Zepbound)، المخصص لإنقاص الوزن، مبيعات بلغت 4.9 مليارات دولار خلال أول عام كامل له في الأسواق عام 2024، بينما تشير التقديرات إلى تضاعف هذه الإيرادات عدة مرات خلال العام الجاري.
وباتت "إيلي ليلي" تستحوذ حالياً على نحو 60% من سوق أدوية GLP-1 في الولايات المتحدة، فيما تتوقع تقديرات "بلومبيرغ إنتليجنس" أن تتمكن الشركة من السيطرة على نحو ثلثي سوق أدوية السمنة العالمية، التي قد تتجاوز قيمتها 120 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030.
لكن الرئيس التنفيذي للشركة ديف ريكس اعتبر من جهته أن النجاح في سوق السمنة ليس سوى بداية لمشروع أكبر، يتمثل في تحويل الشركة إلى مؤسسة تركز على الحفاظ على صحة الإنسان ومنع المرض قبل ظهوره، بدلاً من الاقتصار على تطوير علاجات بعد الإصابة.
وأوضح ريكس أن الشركة استفادت من عدة عوامل مكنتها من تجاوز منافستها الدنماركية نوفو نورديسك، رغم أن الأخيرة طرحت علاجها لإنقاص الوزن في السوق الأمريكية قبل أكثر من عامين. ويرجع ريكس ذلك إلى تطوير عقار أكثر كفاءة مع آثار جانبية أقل، إلى جانب الاستثمار المبكر في الطاقة الإنتاجية، واتباع سياسة تسعير تنافسية، والإدراك المبكر بأن سوق السمنة سيصبح سوقاً استهلاكياً واسعاً، وليس مجرد سوق دوائي تقليدي.
ورغم دخول أكثر من 120 شركة سباق تطوير أدوية السمنة، مع وجود ما لا يقل عن 190 علاجاً في مراحل التجارب السريرية، تراهن "إيلي ليلي" على تنويع منتجاتها وتوسيع قدراتها التصنيعية. فمنذ عام 2020، خصصت الشركة أكثر من 50 مليار دولار لتوسيع مصانعها، انطلاقاً من قناعة بأن القدرة على إنتاج هذه الأدوية بكميات ضخمة ستكون بنفس أهمية اكتشافها.
علاجات متعددة
ولا تقتصر رهانات الشركة على علاج السمنة، إذ أظهرت الدراسات أن أدوية GLP-1 تساعد أيضاً في تقليل مخاطر أمراض القلب، وانقطاع التنفس أثناء النوم، وأمراض الكلى المزمنة، كما تشير نتائج أولية إلى إمكانية استخدامها في علاج الإدمان وبعض الاضطرابات النفسية.
ومن هذا المنطلق، تتجه الشركة إلى توسيع مفهوم الطب الوقائي. ففي يونيو/حزيران الماضي استحوذت على شركة Centessa Pharmaceuticals مقابل 7.8 مليار دولار لتطوير علاجات لاضطرابات النوم، كما تواصل اختبار عقارها لعلاج الزهايمر دونانيماب (Donanemab) لدى أشخاص لم تظهر عليهم أعراض المرض، بهدف معرفة ما إذا كان التدخل المبكر يمكن أن يؤخر الإصابة أو يمنعها بالكامل.
ويقر مسؤولو الشركة بأن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، إذ إن معظم أنظمة الرعاية الصحية الحالية صُممت لعلاج المرضى وليس لمنع الأمراض، كما أن تمويل العلاجات الوقائية يمثل تحدياً لشركات التأمين، لأن تكلفتها تتحمل اليوم بينما قد لا تظهر وفوراتها الاقتصادية إلا بعد سنوات طويلة.
وأطلقت منصة LillyDirect، وهي صيدلية إلكترونية تتيح للمستهلكين الوصول المباشر إلى الأدوية، وتشير الشركة إلى أن أكثر من نصف المرضى الجدد الذين يستخدمون أدوية GLP-1 يصلون إليها عبر القنوات الرقمية.
كما تسعى الشركة إلى تحويل أدوية GLP-1 إلى منصة علاجية متكاملة يمكن تطوير أدوية متعددة انطلاقاً منها، مع الاستفادة من خطوط الإنتاج نفسها لتقليل التكاليف وتسريع تطوير المنتجات الجديدة.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي، تتبنى الشركة نهجاً متوازناً. فهي تتعاون مع إنفيديا لبناء ما تصفه بأنه أقوى حاسوب فائق مخصص للأبحاث الدوائية، كما تشارك بعض نماذجها القائمة على بياناتها الخاصة مع شركات التكنولوجيا الحيوية، إلا أن رئيسها التنفيذي يحذر من المبالغة في توقعات الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن النماذج الحالية لا تزال بعيدة عن فهم التعقيدات البيولوجية لجسم الإنسان، وأن الطريق نحو اكتشاف الأدوية بالاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي سيكون طويلاً.
ويرى ريكس أن الفائدة الأقرب للذكاء الاصطناعي تكمن في تبسيط الإجراءات الإدارية المعقدة داخل أنظمة الرعاية الصحية، وتقليل الأعباء الورقية، وتحسين تجربة المرضى، أكثر من قدرته الحالية على إحداث ثورة مباشرة في اكتشاف الأدوية.



