*
الثلاثاء: 14 تموز 2026
  • 14 تموز 2026
  • 15:43
الصحافة الصينية تكشف حدود الرهان الغربي على التصنيع في الهند

كشف الهجوم الإلكتروني الأخير على شركاء آبل في الهند، وما ترتب عليه من تسريب بيانات الشريك الهندي "تاتا إلكترونيكس"، جانبا من هشاشة شعار "صُنع في الهند"، في حين رأت الصحافة الصينية في هذه الحادثة دليلا إضافيا على استمرار تفوق منظومة التصنيع الصينية واعتماد الشركات العالمية عليها.

ووصفت صحيفة هوان تشيو الصينية هذه الحادثة بأكبر تسريب في تاريخ آبل، إذ شملت وثائق تقنية لهواتف آيفون برو 18 وقوائم مفصلة بالموردين، وكشفت على نطاق واسع أسرار سلسلة التوريد التي طالما حرصت الشركة الأمريكية على حمايتها.

ففي تقرير اقتصادي تحليلي، أوردت الصحيفة أن هجوما إلكترونيا استهدف قاعدة البيانات الهندسية لشركة "تاتا إلكترونيكس" الهندية، الشريك الرئيسي لآبل في تصنيع مكونات آيفون، مما أدى إلى تسريب نحو 630 غيغابايت من البيانات و200 ألف ملف فني.

طبيعة هذا التسريب تختلف جذريا عن التسريبات التقليدية التي كانت تقتصر على صور غير واضحة أو شائعات، إذ جرى هذه المرة الكشف عن مئات المكونات وأسماء الموردين، مما دفع نيودلهي إلى التعامل مع الحادثة باعتبارها قضية أمن قومي مرتبطة بمشروع "صنع في الهند".

 

تداعيات على آبل

يقول المحلل في سلسلة توريد صناعة التكنولوجيا جانغ جينغ بوو إن التسريب قلب منظومة السرية التي بنتها آبل على مدار العقدين الماضيين رأسا على عقب، إذ كشف بالتفصيل كيفية تصنيع جهاز آيفون، وأنواع المكونات وتكلفتها وهوية الموردين ومن يتولى الاختبارات، الأمر الذي يضعف قدرة الشركة التفاوضية ضمن سلاسل الإنتاج العالمية.

ويرى جانغ أن الأثر الأعمق للحادثة لا يتمثل في حجم استثمار آبل في الهند، بل في مدى استعدادها لنقل حلقات أكثر حساسية من البحث والتطوير والاختبار إلى هناك في المستقبل، بحسب تصريحه للصحيفة.

هذه الحادثة جعلت قدرة "تاتا إلكترونيكس" على الوفاء بالتزاماتها موضع تشكيك غير مسبوق، لدرجة أن تقارير غربية تحدثت عن احتمال "زعزعة الثقة" بين الشركة الهندية وآبل.

ولفتت الصحيفة إلى أن حادثة التسريب جاءت بعد سلسلة من الاضطرابات التي ضربت عمليات آبل في الهند، من بينها أعمال شغب عمالية عام 2020، وحريق في أحد مصانع "تاتا" عام 2024، إضافة إلى نزاع بيئي حديث حول مزاعم تلويث أراض زراعية مجاورة.

 

القاعدة الصناعية الهندية

يرى التقرير أن أزمة التسريب أبرزت محدودية القاعدة الصناعية الهندية، إذ تكشف قائمة الموردين المسرّبة أن الشركات الهندية شبه غائبة عن تصنيع المكونات الجوهرية، التي ما تزال تهيمن عليها شركات من الصين وكوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة.

ويشير جانغ جينغ بوو إلى أن ما يُنقل إلى الهند بالأساس هو حلقات التجميع، بينما تبقى الهند بعيدة عن بناء سلسلة قيمة متكاملة قادرة على المنافسة.

وتظهر بيانات آبل أن أكثر من 80% من أهم 200 مورد لديها يمتلكون مصانع في الصين، مما يعكس استمرار اعتماد الشركة على "المنظومة الصناعية الصينية" في إنتاج منتجاتها المتقدمة.

كما ينقل التقرير قول الصحفي باتريك ماكغي، مؤلف كتاب "آبل في الصين" بأن آبل تحاول إظهار أنها في طريقها إلى نقل التصنيع إلى الهند، لكنها في الواقع تحافظ على إنتاج أكبر عدد ممكن من أجهزتها داخل الصين، حتى عندما تحمل بعض الهواتف علامة "صُنع في الهند".

 

نموذج الهند الصناعي

ويوسع تقرير هوان تشيو التقييم ليصل قطاعات أخرى، إذ يشير إلى أن "تسلا" قد أنهت خططها لبناء مصنع ضخم في الهند، بحسب ما ينقله عن التقارير الإعلامية الهندية، التي تضيف أن تصنيع السيارات الكهربائية يتطلب خمسة مكونات رئيسة، لكن الهند تفتقر إلى مواد حيوية مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل لصناعة هذه المكونات، وتعتمد على استيراد خلايا البطاريات من الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

كما أن تصنيع المحركات والمكونات الإلكترونية للطاقة يتطلب مواد خام أساسية، وخبرة عميقة، واستثمارات رأسمالية ضخمة، وهي جميعها مجالات تفتقر إليها الهند، بحسب ما أورده التقرير.

ومن هنا، يبدو أن الدعوة الهندية لجذب مصانع عالمية كبرى تصطدم بواقع بنية تحتية غير مكتملة، وتكاليف تمويل وتكنولوجيا لا تزال تشكل فجوة بنيوية يصعب تجاوزها في المدى القصير.

 

المنظومة الصناعية الصينية

يتبنّى المحلل جانغ في حديثه لصحيفة هوان تشيو طرحا مفاده أن تفوق الصين لا يرتبط بتكاليف العمالة أو عدد المصانع بقدر ما يرتبط بالقدرة على تنظيم "العملية الصناعية".

ويشرح أن الصين نجحت خلال عقود في بناء منظومة تجعل مئات الشركات وآلاف المهندسين ومئات الآلاف من العمال يعملون بتناغم منقطع النظير، وهذا ما يشكل -حسب اعتقاده- البنية الأساسية التي لا يمكن نقلها ببساطة عبر تفكيك خط إنتاج وإعادة تركيبه في بلد آخر.

ومن حيث القدرة الإنتاجية، فإن مصانع آبل في الصين قادرة على إنجاز مهام تستغرق أسابيع في غضون أيام قليلة، بينما تكافح المصانع الهندية للوصول إلى مستويات مقاربة من حيث السرعة ونسبة المنتجات المطابقة للمواصفات.

ويخلص التقرير إلى أن رهان شركات التكنولوجيا الغربية على الهند جاء في الأساس كاستجابة لضغوط جيوسياسية لتقليص الاعتماد على الصين، غير أن حادثة تسريب بيانات "تاتا إلكترونيكس" توحي بأن نقل خطوط الإنتاج لا يعني بالضرورة تقليل المخاطر في سلاسل الإمداد، بل قد يخلق أنماطا جديدة من المخاطر في بيئة ما تزال بنيتها الصناعية والمؤسسية في طور التشكّل.

 

مواضيع قد تعجبك