خبرني - لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تضاف إلى التطبيقات والمواقع الإلكترونية، بل أصبح قوة أساسية تعيد تشكيل طريقة عمل الإنترنت نفسه، فبعد أن غيرت الهواتف الذكية شكل الوصول إلى الشبكة يبدو أن السنوات الخمس المقبلة ستشهد تحولا جديدا ينتقل فيه الإنترنت من فضاء يعتمد على البحث والتصفح إلى بيئة تعتمد على الحوار والتنفيذ الذكي للمهام.
ويتوقع خبراء التقنية أن يشهد الإنترنت خلال الفترة بين عامي 2026 و2031 تغيرات جوهرية تمس محركات البحث، والمواقع الإلكترونية، والتجارة الرقمية، وصناعة المحتوى، وحتى طريقة تفاعل المستخدمين مع الخدمات اليومية.
من البحث إلى الإجابة المباشرة
منذ أكثر من عقدين، اعتمد المستخدمون على محركات البحث للوصول إلى المعلومات عبر إدخال كلمات مفتاحية ثم استعراض عشرات الروابط، لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير هذه الآلية.
فبدلا من البحث التقليدي، أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على فهم السؤال، وتحليل السياق، وتقديم إجابة متكاملة دون الحاجة إلى زيارة عدد كبير من المواقع.
وهذا التحول يعني أن كثيرا من المستخدمين سيقضون وقتا أقل في التنقل بين الصفحات، بينما ستتحول محركات البحث إلى مساعدين رقميين يقدمون المعلومات بشكل مباشر مع إمكانية تنفيذ المهام داخل واجهة واحدة.
وكلاء ذكاء اصطناعي ينفذون المهام
المرحلة التالية لا تقتصر على الإجابة عن الأسئلة، بل تمتد إلى تنفيذ الأعمال نيابة عن المستخدم، فبدلا من البحث عن أفضل رحلة طيران أو مقارنة أسعار الفنادق أو شراء منتج، سيتمكن المستخدم من إعطاء تعليمات عامة لوكيل ذكاء اصطناعي مثل: "خطط لي رحلة لمدة 4 أيام ضمن ميزانية محددة"، ليتولى النظام البحث والمقارنة والحجز بعد الحصول على موافقة المستخدم.
وتعمل شركات التقنية الكبرى بالفعل على تطوير ما يعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي أنظمة تستطيع استخدام المواقع والخدمات الرقمية بصورة مستقلة لإنجاز المهام المعقدة.
نهاية المواقع التقليدية؟
فعليا، لن تختفي المواقع الإلكترونية، لكنها قد تفقد دورها الحالي، فالعديد من المستخدمين لن يحتاجوا إلى زيارة الموقع مباشرة إذا تمكن مساعد ذكي من استخراج المعلومات أو تنفيذ الخدمة تلقائيا.
وسيدفع ذلك الشركات إلى إعادة تصميم مواقعها بحيث تصبح قابلة للتعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، وليس البشر فقط، من خلال واجهات برمجية أكثر تطورا وبيانات منظمة تسهل فهم المحتوى آليا.
الإنترنت سيصبح أكثر تخصيصا
تعتمد المواقع اليوم على بيانات المستخدم لتقديم توصيات محدودة، لكن الذكاء الاصطناعي سيجعل التجربة أكثر تخصيصا، فقد يرى كل مستخدم نسخة مختلفة من الموقع نفسه، سواء في ترتيب الأخبار، أو المنتجات، أو طريقة عرض المعلومات، أو حتى اللغة والأسلوب المستخدم في الكتابة. وسيعتمد هذا التخصيص على تحليل اهتمامات المستخدم وسلوكه واحتياجاته في الوقت الفعلي.
المحتوى سيتغير جذريا
اليوم، أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على إنتاج النصوص والصور والفيديوهات والمقاطع الصوتية بجودة متزايدة، وخلال السنوات المقبلة، سترتفع نسبة المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي بشكل كبير، ما سيزيد من سرعة إنتاج المعلومات، لكنه سيطرح تحديات تتعلق بالمصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والقدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى الاصطناعي. حيث من المتوقع أن تصبح أدوات التحقق من صحة المحتوى جزءا أساسيا من تجربة الإنترنت.
التجارة الإلكترونية ستصبح أكثر ذكاء
بدلا من تصفح آلاف المنتجات، سيتمكن المستخدم من وصف احتياجاته فقط، فعلى سبيل المثال، قد يطلب المستهلك: "أريد حاسوبا مناسبا لتحرير الفيديو بميزانية لا تتجاوز 1200 دولار"، فيقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل المواصفات، ومقارنة الأسعار، وقراءة تقييمات المستخدمين، ثم تقديم أفضل الخيارات وربما إتمام عملية الشراء.
كما ستستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي لتخصيص العروض وتحسين خدمة العملاء وإدارة المخزون بصورة أكثر كفاءة.
مواقع أقل.. وخدمات أكثر
قد يؤدي انتشار الوكلاء الأذكياء إلى انخفاض أهمية التطبيقات والمواقع المنفصلة، وبدلا من تثبيت عشرات التطبيقات، قد يعتمد المستخدم على مساعد واحد يتواصل مع مختلف الخدمات عبر الإنترنت، وينفذ العمليات داخل واجهة موحدة. حيث يمثل ذلك تحولا من "إنترنت المواقع" إلى "إنترنت الخدمات"، حيث تصبح البيانات والوظائف أهم من شكل الموقع نفسه.
تحديات أمنية جديدة
كلما زادت قدرات الذكاء الاصطناعي، ازدادت المخاطر المرتبطة باستخدامه، فقد تستغل الجهات الخبيثة هذه التقنيات لإنتاج رسائل تصيد أكثر إقناعا، أو إنشاء هويات رقمية مزيفة، أو تطوير برمجيات ضارة أكثر تعقيدا.
وفي المقابل، ستستخدم شركات الأمن السيبراني الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الهجمات والاستجابة لها بسرعة أكبر، ما سيؤدي إلى سباق مستمر بين المهاجمين والمدافعين.
اقتصاد جديد للمحتوى
إذا حصل المستخدمون على إجابات مباشرة من المساعدات الذكية، فقد تنخفض زيارات المواقع الإخبارية والمدونات والمنصات التعليمية، وهو ما قد يؤثر في نماذج الإيرادات القائمة على الإعلانات.
لذلك ستحتاج المؤسسات الإعلامية ومنتجو المحتوى إلى تطوير نماذج جديدة تضمن وصول المحتوى إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على حقوقهم المالية والفكرية.
هل سيختفي الإنترنت الذي نعرفه؟
الإجابة الأقرب هي لا، لكنه سيتغير بصورة كبيرة، فالإنترنت لن يتوقف عن العمل، لكنه سيتحول من شبكة تعتمد على التنقل اليدوي بين الصفحات إلى بيئة تعتمد على الحوار والذكاء والتنفيذ الآلي للمهام.
وكما غيرت الهواتف الذكية طريقة استخدام الإنترنت خلال العقد الماضي، يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيقود المرحلة التالية، حيث تصبح الخدمات أكثر ذكاء، والمعلومات أكثر سرعة، والتفاعل أكثر طبيعية.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق توازن بين الاستفادة من هذه التقنيات، وحماية الخصوصية، وضمان الشفافية، والحفاظ على تنوع المحتوى وجودته، حتى يظل الإنترنت مساحة مفتوحة تخدم المستخدمين والابتكار في آن واحد.



