*
الثلاثاء: 07 تموز 2026
  • 07 تموز 2026
  • 20:18
ثروة مخفية كنز الكاكاو المفقود ينقذ الشوكولاتة من الخطر

خبرني - كشفت دراسة جينية حديثة أجريت على أشجار الكاكاو في بيرو عن مفاجأة قد تغير مستقبل الشوكولاتة حول العالم، بعدما تمكن الباحثون من إعادة رسم "شجرة العائلة" الوراثية للمحصول الأكثر شعبية بين عشاق الحلويات، والعثور على أربع سلالات جينية جديدة لم تكن معروفة من قبل.
ولا يحمل هذا الاكتشاف أهمية علمية فقط، بل قد يمثل خطوة حاسمة لحماية صناعة الشوكولاتة من أزمة محتملة تهدد مستقبلها، إذ يتوقع الباحثون أن تقدم اثنتان من هذه السلالات الجديدة حبوب كاكاو ذات جودة استثنائية ونكهات مميزة قد تجذب اهتمام خبراء الشوكولاتة الفاخرة.
ويواجه الكاكاو المشكلة نفسها التي تهدد العديد من المحاصيل الزراعية حول العالم؛ فالنباتات البرية تمتلك عادة تنوعا جينيا واسعا، لكن الزراعة الحديثة ركزت على عدد محدود من الأصناف التي أثبتت قدرتها على الإنتاج العالي، ثم جرى نشرها على نطاق واسع لتلبية الطلب العالمي المتزايد.
ورغم أن هذا النهج ساعد البشرية على زيادة إنتاج الغذاء وتقليل خطر المجاعات التي رافقتها عبر التاريخ، فإنه خلق مشكلة جديدة تتمثل في ضعف التنوع الوراثي، إذ أصبحت العديد من المحاصيل تعتمد على أصناف قليلة أكثر عرضة للأمراض والتغيرات البيئية.
وتُعد الزراعة أحادية النوع أحد أكبر المخاطر التي تهدد المحاصيل، فقد شهد العالم نتائج كارثية بسبب الاعتماد على أصناف محدودة، مثل مجاعة البطاطا في أيرلندا، كما اقترب محصول الموز في السنوات الأخيرة من مواجهة أزمة مشابهة بسبب انتشار الأمراض وضعف التنوع الجيني.
ولا تكمن المشكلة في الأمراض فقط، إذ إن المحاصيل ذات التنوع المحدود تكون أقل قدرة على التكيف مع تغير المناخ، وهو ما يثير مخاوف من أن يصبح الكاكاو هو الضحية التالية مع ارتفاع درجات الحرارة وتغير الظروف البيئية في مناطق زراعته.
ولهذا السبب، يتجه العلماء إلى البحث عن السلالات القديمة والنادرة التي نجت في البرية أو بقيت محفوظة في المزارع الصغيرة التي حافظت على الأصناف التقليدية، وهو ما جعل بيرو مركزا مهما لهذا البحث، إذ يعتقد العلماء أنها من المناطق الأولى التي شهدت الاعتماد على نبات الكاكاو وزراعته.
وقاد فريق البحث العالم لامبرت موتيلال من جامعة جزر الهند الغربية، حيث بدأ العلماء رحلة بحث عن التنوع الجيني المخفي داخل أشجار الكاكاو البيروفية، بهدف اكتشاف سلالات قد تحمل صفات تساعد المحصول على مواجهة تحديات المستقبل.
وكانت الدراسات السابقة تصنف أشجار الكاكاو المعروفة ضمن 10 مجموعات وراثية رئيسية مرتبطة بمناطق جغرافية مختلفة، رغم أن معظم أشجار الكاكاو التجارية اليوم ليست سلالة نقية، بل نتاج عمليات تهجين بين أكثر من مجموعة وراثية.
لكن أبحاثًا حديثة بدأت تشير إلى أن هذا التصنيف قد لا يعكس الصورة الكاملة للتنوع الطبيعي الموجود داخل أشجار الكاكاو، وهو ما دفع الباحثين إلى إجراء تحليل أكثر دقة.
وقام فريق موتيلال بفحص 192 علامة وراثية داخل الحمض النووي لـ390 شجرة كاكاو، وهي علامات تكشف الاختلافات الدقيقة في الشفرة الجينية بين النباتات، وتمكنوا من العثور على أدلة واضحة تشير إلى وجود أربع سلالات وراثية جديدة لم تكن معروفة سابقًا.
وأكد الباحثون أن اثنتين من هذه السلالات تحملان تركيبة جينية واعدة، قد تجعلها مصدرا لحبوب كاكاو ذات نكهات أكثر تميزا وجودة أعلى، وهو ما قد يفتح الباب أمام ظهور أنواع جديدة من الشوكولاتة الفاخرة.
ولم تكن الأشجار التي خضعت للدراسة تنتمي دائما إلى سلالة واحدة فقط، إذ أظهرت العديد منها مزيجا من أصول وراثية مختلفة نتيجة التهجين الطبيعي أو الزراعي، لكن العلماء تمكنوا من تحديد نسبة مساهمة كل سلالة في التركيب الجيني لكل شجرة.
وأوضح الباحثون أن أشجار الكاكاو في بيرو تشترك في جذور وراثية مشتركة، لكن كل منطقة تمتلك بصمتها الجينية الخاصة، مؤكدين أن اكتشاف السلالات الأربع الجديدة يقدم خريطة جديدة لفهم التنوع الوراثي للكاكاو، كما يوفر مصدرا مهمًا للحفاظ على هذا المحصول وتطوير صناعة الشوكولاتة.
كما أعادت الدراسة النظر في أصل صنف الكاكاو الشهير CCN 51، الذي أصبح واسع الانتشار خلال السنوات الأخيرة، حيث كشفت أن هذا الصنف هو مزيج وراثي من أربع سلالات معروفة سابقًا، مع تحديد نسبة مساهمة كل سلالة في تكوينه، وفقا لموقع"iflscience".
ويعود جزء كبير من بقاء التنوع الجيني للكاكاو في بيرو إلى اعتماد البلاد على مزارع صغيرة تديرها مجتمعات محلية، إضافة إلى التنوع الكبير في البيئة الطبيعية هناك، حيث تختلف الظروف بين مناطق حوض الأمازون وسفوح جبال الأنديز.
ومع تزايد المخاوف من أن يقترب إنتاج الكاكاو العالمي من الحد الأقصى لتحمله درجات الحرارة المرتفعة، فإن اكتشاف جينات جديدة قد تساعد النبات على مقاومة الظروف المناخية المستقبلية أصبح أمرًا بالغ الأهمية.
ولا يقتصر دور هذه السلالات الجديدة على إنقاذ المحصول فقط، بل قد تغير أيضًا تجربة تناول الشوكولاتة نفسها، إذ إن الأسواق المتخصصة، مثل شوكولاتة الروبي التي اكتسبت شعبية بين خبراء التذوق، تثبت أن التنوع يمكن أن يخلق نكهات جديدة، وفي الوقت نفسه يحافظ على أصناف قد تختفي مع مرور الزمن.وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة PLOS One العلمية.
قد يكون فك الشفرة الجينية للكاكاو هو المفتاح لتحقيق هدفين في وقت واحد: ابتكار أنواع جديدة ومميزة من الشوكولاتة، وضمان بقاء النبات الذي يقف خلف هذه الصناعة لعقود قادمة.

مواضيع قد تعجبك