*
الاثنين: 06 تموز 2026
  • 06 تموز 2026
  • 22:50
نصراوين يكتب ضبط التصريحات الإعلامية للمسؤولين

خبرني - كتب أ. د. ليث كمال نصراوين:

    لا تكاد تمر فترة زمنية حتى يطل علينا مسؤول حالي أو سابق عبر شاشات التلفاز أو وسائل الإعلام بتصريحات غير موفقة وغير مدروسة، سرعان ما تشعل الرأي العام، وتثير ضجة شعبية وسياسية واسعة، وقد تمتد آثارها إلى التشكيك بأداء المؤسسات الرسمية. وما يزيد من حدة هذه الظاهرة أن المسؤولين المعنيين غالبا ما يلجأون، في بياناتهم التوضيحية، إلى التأكيد أن حديثهم "أُخرج من سياقه" أو أن "التصريح قد تم اجتزاؤه"، حتى أصبحت هذه العبارات تتكرر بصورة لافتة كلما ثار جدل حول تصريح إعلامي.
ولا تكمن المشكلة دائما في وجود سوء نية أو قصد مبيت لدى المسؤول لإثارة الرأي العام، فكثير من الأزمات الإعلامية التي شهدناها خلال الفترة الماضية كان منشؤها تصريحات يعتقد أصحابها أنها صحيحة أو تندرج في إطار حرية التعبير أو الخبرة الشخصية. إلا أن الجمهور لا ينظر إلى المسؤول باعتباره فردا عاديا يصيب ويخطئ، وإنما شخصية عامة تتولى منصبا رسميا يفترض أن يتمتع شاغله بالكفاءة والقدرة على تقدير التبعات المتعلقة بتصريحاته. ولذلك، فإن أي معلومة غير دقيقة أو تصريح غير محسوب لا يعد مجرد هفوة شخصية، وإنما قد ينعكس مباشرة على صورة مؤسسات الدولة ويؤثر في ثقة المواطنين بها.
إن تكرار هذه الحوادث الإعلامية يكشف عن خلل في منظومة التواصل بين المسؤولين ووسائل الإعلام، ويؤكد الحاجة إلى تنظيم العلاقة بين الطرفين بما يحقق الغاية من ظهور المسؤولين الحاليين والسابقين أمام الرأي العام. فإذا كانت الدولة تحيط الوظيفة العامة بمنظومة من الواجبات المتعلقة بالنزاهة والحياد والمحافظة على أسرار العمل، فمن الأولى أن يمتد هذا التنظيم إلى التصريحات الإعلامية التي قد تكون آثارها أخطر من كثير من القرارات الإدارية.
ولا يعني ذلك تقييد حرية التعبير أو منع المسؤولين من التواصل مع المواطنين ووسائل الإعلام، وإنما وضع قواعد تنظم هذا التواصل بما يحقق التوازن بين حرية الرأي وواجب المحافظة على الثقة العامة. فالمسؤول لا يتحدث بصفته الشخصية المجردة، وإنما بحكم الوظيفة التي يشغلها، والتي تمنح تصريحاته وزنا خاصا، ولذلك فإن مسؤوليته القانونية يجب أن تكون أكبر من مسؤولية غيره من أفراد المجتمع.
ومن منظور قانوني، فإن الموظف العام أو المسؤول الحكومي لا يفقد صفته الوظيفية بمجرد ظهوره أمام وسائل الإعلام. فتصريحاته المتعلقة بالشأن العام تعد امتدادا لعمله الرسمي، بما يوجب عليه تحري الدقة والموضوعية، وعدم الإدلاء بمعلومات غير موثقة أو مضللة. ومن ثم، فإن الإخلال بهذه الواجبات ينبغي أن يرتب مساءلة تأديبية متى ثبت أن تلك التصريحات أضرت بالمصلحة العامة أو أسهمت في تقويض الثقة بالمؤسسات.
ومن المقترحات التي يمكن تقديمها هذا الإطار إقرار مدونة سلوك إعلامية للمسؤولين، تتضمن قواعد واضحة للتصريحات المتعلقة بالقضايا الوطنية والملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتحدد الضوابط الواجب مراعاتها قبل الإدلاء بأي معلومات قد تؤثر في الرأي العام. كما ينبغي إعادة الاعتبار لمنصب المتحدث الرسمي في كل جهة حكومية، بحيث يكون الجهة المعتمدة للإفصاح عن المعلومات المتعلقة بأعمالها، الأمر الذي يقلل من تضارب التصريحات ويضمن وحدة الخطاب الرسمي.
ولا يقل أهمية عن ذلك تنظيم ظهور المسؤولين السابقين أمام وسائل الإعلام، إذ إن المناصب التي شغلوها تمنح تصريحاتهم مصداقية خاصة لدى المواطنين، الأمر الذي يقتضي استمرار التزامهم بالمحافظة على سرية المعلومات التي اطلعوا عليها أثناء توليهم مناصببهم، وعدم استغلالها لإثارة الرأي العام أو الإضرار بالمصلحة العامة.
إن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة لا يتحقق فقط من خلال تحديث المنظومة الإدارية، وإنما أيضا من خلال حسن إدارة الخطاب الرسمي. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم تمثل رقابة شعبية فاعلة، تلتقط التصريحات غير الموفقة للمسؤولين وتنشرها خلال دقائق لتصل إلى مئات الآلاف من المتابعين. وقد يكفي منشور واحد أو مقطع فيديو قصير حتى تتحول القضية إلى رأي عام يستمر تداوله لسنوات، ويعاد استحضاره كلما أثيرت القضية ذاتها.
ولهذا، فإن تنظيم ظهور المسؤولين، الحاليين والسابقين، أمام وسائل الإعلام لم يعد خيارا إداريا ولا ترفا تشريعيا، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها متطلبات الإدارة الرشيدة وحماية المصلحة العامة. ويتطلب ذلك وضع قواعد قانونية واضحة تضمن أن يكون ظهور المسؤول أمام وسائل الإعلام فرصة لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وأن تبقى الكلمة الرسمية دقيقة ومسؤولة ومنسجمة مع مقتضيات الوظيفة العامة، بما يحافظ على هيبة الدولة، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسساتها.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
[email protected]

 

مواضيع قد تعجبك