خبرني - عاد مشروع أنبوب النفط البصرة–العقبة إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي في العراق، بعد سنوات طويلة من التعثر، ليطرح مجدداً بوصفه أحد أهم مشاريع أمن الطاقة العراقية وأكثرها ارتباطاً بالتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
فالمشروع، الذي ظل حبيس الدراسات والخلافات لأكثر من عقد، بات اليوم يحظى باهتمام رسمي متزايد، في ظل سعي بغداد إلى تنويع منافذ تصدير النفط، خصوصاً بعد الأزمات الأخيرة التي هددت الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وجاءت إعادة إحياء المشروع خلال المباحثات التي أجراها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع وفد وزاري أردني برئاسة وزير الصناعة والتجارة والتموين يعرب القضاة الأسبوع الماضي، حيث أكد الجانبان أهمية المضي في تنفيذ المشروع إلى جانب توسيع التعاون في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار والتبادل التجاري، بما يعكس رغبة مشتركة في الانتقال بالعلاقات الاقتصادية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
ورغم أن وزارة النفط العراقية أوضحت لاحقاً أن المشروع لم يُحسم بصورة نهائية، وأنه ما يزال قيد الدراسة ويرتبط أولاً بإنجاز مشروع أنبوب البصرة–حديثة قبل اتخاذ قرار بشأن المنافذ التصديرية الرديفة، فإن مجرد عودته إلى طاولة النقاش يؤشر إلى تغير في النظرة الرسمية تجاه المشروع، خاصة بعد أن كشفت التطورات الإقليمية أهمية امتلاك منافذ بديلة لتصدير النفط.
وتعود فكرة إنشاء أنبوب البصرة–العقبة إلى عقود مضت، لكنها أخذت طابعاً رسمياً عام 2013 عندما وقع العراق والأردن اتفاقية إطار لتنفيذه، بكلفة قدرت حينها بنحو 18 مليار دولار، إلا أن المشروع واجه سلسلة طويلة من التأجيلات نتيجة الظروف الأمنية والحرب ضد تنظيم داعش، والأزمات المالية التي عصفت بالعراق، فضلاً عن الخلافات السياسية التي رافقت المشروع منذ طرحه.
ويبلغ طول الأنبوب نحو 1700 كيلومتر، تبدأ مرحلته الأولى من محافظة البصرة وصولاً إلى مدينة حديثة غرب العراق بطول يقارب 700 كيلومتر، فيما تمتد المرحلة الثانية من حديثة إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر.
وتصل الطاقة التصميمية للأنبوب إلى 2.5 مليون برميل يومياً، ما يجعله أحد أكبر مشاريع نقل النفط في المنطقة، ويمنح العراق مستقبلاً إمكانية تصدير نفطه عبر 3 منافذ مختلفة هي ميناء العقبة الأردني، وميناء بانياس السوري، وميناء جيهان التركي، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على موانئ البصرة.
لماذا عاد المشروع الآن؟
يرى مختصون تحدثوا، أن التطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين أعادت رسم أولويات السياسة النفطية العراقية.
وقال الخبير الاقتصادي "نجم الدين المسعودي" لـ "العين الإخبارية"، إن الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز بسبب الحرب بين إيران والولايات المتحدة، والتوترات في البحر الأحمر، والهجمات على السفن التجارية، أثبتت أن الاعتماد على منفذ تصدير واحد يمثل نقطة ضعف استراتيجية بالنسبة للعراق الذي تعتمد موازنته العامة بنسبة تتجاوز 90% على الإيرادات النفطية.
وأضاف "أن العراق يطمح إلى رفع إنتاجه النفطي خلال السنوات المقبلة إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، وهو هدف لن يكون قابلاً للتحقيق من دون توسيع شبكة منافذ التصدير وإنشاء خطوط جديدة تستوعب الزيادة المستقبلية في الإنتاج".
رهان استراتيجي للعراق
ويرى المسعودي أن مشروع الأنبوب يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تغير خريطة صادرات النفط العراقية خلال العقود المقبلة.
ويؤكد أن المتغيرات التي شهدتها المنطقة أظهرت أن تنويع منافذ التصدير لم يعد خياراً اقتصادياً فحسب، بل أصبح جزءاً من الأمن القومي العراقي، مشيراً إلى أن امتلاك منفذ مباشر على البحر الأحمر يمنح العراق مرونة أكبر في إدارة صادراته النفطية ويقلل من تأثير أي أزمات أو إغلاقات قد تطال الممرات البحرية التقليدية.
ويضيف أن المشروع لا يقتصر على نقل النفط، بل يمثل مدخلاً لتعزيز التكامل الاقتصادي العربي، ويفتح الباب أمام مشاريع استثمارية وصناعية مشتركة بين العراق والأردن في مجالات الطاقة والخزن والنقل والخدمات اللوجستية.
منفذ جديد نحو البحر الأحمر
تكمن القيمة الاستراتيجية للمشروع في أنه يمنح العراق لأول مرة منفذاً مباشراً على البحر الأحمر عبر الأراضي الأردنية، وهو ما يفتح أمام النفط العراقي مساراً جديداً للوصول إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية.
ويؤكد خبراء الطاقة أن تعدد منافذ التصدير يتيح للعراق توزيع المخاطر، ويقلل من احتمالات توقف الصادرات في حال وقوع أزمات أمنية أو عسكرية، كما يمنحه قدرة أكبر على المناورة في الأسواق العالمية.
تنويع الصادرات وتعزيز القدرة التفاوضية
الخبير الاقتصادي "ضرغام محمد علي" يرى أن مشروع البصرة–العقبة كان يمكن أن يغير موقع العراق في سوق الطاقة العالمية لو تم تنفيذه في موعده.
ويقول في حديثه ، إن المناكفات السياسية كانت السبب الرئيسي في تعطيل المشروع طوال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن العراق خسر فرصة الوصول إلى أسواق جديدة في أوروبا عبر البحر المتوسط، فضلاً عن خسارة ورقة مهمة في مفاوضاته داخل تحالف "أوبك+" للمطالبة بحصة إنتاجية أكبر.
ويضيف أن العراق يصدر اليوم بأقل من طاقته الفعلية، بسبب محدودية منافذ التصدير وتوقف أو تضرر خطوط الأنابيب المارة عبر تركيا، فضلاً عن محدودية إنتاج حقول كركوك مقارنة بحقول البصرة، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى منفذ إضافي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
الأردن.. مكاسب اقتصادية واستراتيجية
وبشأن ما يحصل عليه الأردن من مكاسب اقتصادية، يوضح ضرغام محمد علي، "يمثل المشروع فرصة اقتصادية مهمة، إذ سيوفر للمملكة رسوماً ثابتة لعبور النفط عبر أراضيها، كما سيؤمن جزءاً من احتياجاتها النفطية بأسعار تفضيلية، ويحول ميناء العقبة إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة".
وأوضح "من المتوقع أيضاً أن يسهم المشروع في جذب استثمارات جديدة في مجالات التخزين النفطي والصناعات البتروكيماوية، فضلاً عن تنشيط قطاعات النقل والخدمات اللوجستية، بما يعزز مكانة الأردن كمحور إقليمي للطاقة".
أهمية جيوسياسية تتجاوز الاقتصاد
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجوانب الاقتصادية، بل تمتد إلى أبعاد جيوسياسية واسعة. فإنشاء خط أنابيب جديد يربط العراق بالبحر الأحمر يعني تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وإنشاء ممر طاقة بديل، وتعزيز الترابط الاقتصادي العربي، إضافة إلى رفع أهمية البحر الأحمر في تجارة النفط العالمية.
كما يمنح العراق هامشاً أوسع في إدارة صادراته خلال الأزمات، ويقلل من تأثير أي اضطرابات قد تصيب أحد مسارات التصدير.
ويرى الخبير السياسي "زكي الحلفي"، أن مشروع أنبوب البصرة–العقبة لا يمكن النظر إليه بوصفه مشروعاً اقتصادياً أو نفطياً فحسب، بل يمثل مشروعاً ذا أبعاد جيوسياسية واستراتيجية عميقة، من شأنه إعادة رسم جزء من خريطة أمن الطاقة في المنطقة. ويؤكد أن أهمية المشروع تكمن في تقليل اعتماد العراق على منفذ تصدير واحد، بما يعزز قدرته على مواجهة الأزمات الإقليمية التي قد تؤثر في حركة الملاحة أو تدفق صادراته النفطية.
ويشير الحلفي في تصريح ، إلى أن المشروع يوفر ممراً بديلاً لتصدير النفط العراقي عبر البحر الأحمر، الأمر الذي يسهم في تنويع طرق الإمداد إلى الأسواق العالمية، ويمنح بغداد مرونة أكبر في إدارة صادراتها النفطية، خصوصاً في ظل التوترات التي تشهدها بعض الممرات البحرية الحيوية.
ويضيف أن المشروع يحمل أيضاً بعداً عربياً مهماً، إذ يعزز التكامل الاقتصادي بين العراق والأردن، ويفتح المجال أمام مشاريع ربط إقليمي في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار، فضلاً عن تعزيز مكانة البحر الأحمر كممر رئيسي لتجارة الطاقة العالمية.
ويخلص الحلفي إلى أن امتلاك العراق أكثر من منفذ لتصدير النفط لا ينعكس على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمنحه أيضاً هامشاً سياسياً واستراتيجياً أوسع في إدارة علاقاته الإقليمية والدولية، ويعزز قدرته على حماية مصالحه الوطنية في ظل بيئة جيوسياسية متغيرة باستمرار.
تحديات التنفيذ
وفي المقابل، يرى وزير النقل الأسبق عامر عبدالجبار أن المشروع يواجه تحديات كبيرة قد تقلل من جدواه الاقتصادية.
وقال عبدالجبار في حديثه، إنه "رغم الدعم السياسي المتزايد لهذا المشروع، لا تزال أمام المشروع تحديات كبيرة، أبرزها، التمويل، إذ تتطلب عملية التنفيذ استثمارات بمليارات الدولارات، والأوضاع الأمنية، بسبب مرور الخط في مناطق صحراوية واسعة تحتاج إلى حماية مستمرة".
وكما يشير إلى أن التحدي الآخر هو "الجدوى الاقتصادية، التي ترتبط بأسعار النفط العالمية وكلف النقل والشحن، والتحديات السياسية، سواء داخل العراق أو على مستوى المنطقة، بالإضافة إلى المدة الزمنية للتنفيذ، في ظل التجارب السابقة التي شهدت تأجيل المشروع مرات عديدة".
بين الطموح والواقع
ويرى مسؤول في مكتب رئيس الوزراء العراقي أن مشروع أنبوب البصرة–العقبة لم يعد مجرد فكرة قديمة، بل أصبح ضرورة استراتيجية بعد المتغيرات الأخيرة، مؤكداً أن العراق بدأ فعلياً بتنفيذ مشروع البصرة–حديثة، بما يمهد لاستكمال الربط مع الأردن عند استكمال الإجراءات الفنية والمالية.
وقال في حديثه لـ "العين الإخبارية"، إنه "خلال المباحثات التي أجراها رئيس الوزراء علي الزيدي مع مختصين بوزارة النفط العراقية فإن المشروع ما يزال قيد الدراسة، وأن الأولوية الحالية تتركز على إنجاز المرحلة الأولى داخل العراق، قبل حسم قرار المنافذ النهائية سواء باتجاه الأردن أو سوريا".
وأضاف "أن مشروع أنبوب البصرة–العقبة دخل مرحلة جديدة من الاهتمام الرسمي، مدفوعاً بمتغيرات أمن الطاقة الإقليمية والحاجة العراقية إلى تنويع منافذ تصدير النفط".
وتابع "إذا نجح العراق والأردن في تجاوز العقبات المالية والفنية والسياسية، فقد يتحول المشروع إلى أحد أكبر مشاريع البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط، بما يعزز أمن الصادرات العراقية، ويدعم الاقتصاد الأردني، ويخلق ممراً جديداً للطاقة".
ويرى "أما إذا استمرت التأجيلات، فسيبقى المشروع مثالاً جديداً على الفرص الاستراتيجية التي تعثرت بفعل الخلافات السياسية والظروف الأمنية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بناء منظومة أكثر مرونة واستدامة لصادرات النفط العراقي".
في المقابل، تؤكد عضو لجنة الطاقة النيابية رحيمة حسن أحمد الجبوري أن مشروع أنبوب البصرة–العقبة يمثل خياراً استراتيجياً لتنويع منافذ تصدير النفط العراقي، إلا أن نجاحه مرهون بإدارته وفق أسس اقتصادية سليمة بعيداً عن المبالغات المالية والفساد.
وتوضح الجبوري في حديثها لـ "العين الإخبارية"، أن المشروع تعرض خلال السنوات الماضية لاعتراضات متعددة، بعضها استند إلى مزاعم سياسية بشأن وجهة النفط العراقي، وهي اعتراضات تصفها بأنها "غير واقعية"، بينما تركز الاعتراضات الحقيقية -بحسب قولها- على الكلفة المالية المرتفعة للمشروع، وما رافقها من تفاوت كبير في التقديرات.
وتشير إلى أن الكلفة التقديرية للمشروع شهدت تغيرات متكررة، إذ طُرحت في مراحل سابقة بنحو 28 مليار دولار، ثم انخفضت إلى 18 مليار دولار، قبل أن تتحدث جهات رسمية لاحقاً عن أرقام أقل، وهو ما يعكس -برأيها- الحاجة إلى مراجعة دقيقة للدراسات المالية واعتماد معايير تسعير مماثلة لما هو معمول به في المشاريع الدولية المماثلة.
وتؤكد الجبوري أن البرلمان لا يعارض إنشاء الأنبوب، بل يدعم تنفيذه باعتباره مشروعاً استراتيجياً يسهم في تنويع منافذ تصدير النفط وتقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية، إلا أنها تشدد على ضرورة تنفيذه بكلف حقيقية وشفافة تضمن حماية المال العام ومنع الهدر.
وترى أن المرحلة المقبلة تتطلب اعتماد آليات جديدة في تنفيذ المشاريع الكبرى تقوم على ترشيد الإنفاق، ورفع الكفاءة الاقتصادية، ومحاربة الفساد بصورة مؤسسية، لافتة إلى أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق عبر التركيز على قضايا فردية، بل من خلال معالجة الاختلالات البنيوية داخل مؤسسات الدولة، وتعزيز الرقابة على العقود والمشاريع الاستراتيجية.
وتضيف أن نجاح مشروع أنبوب البصرة–العقبة لا يرتبط فقط بأهميته الاقتصادية والجيوسياسية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على تنفيذه وفق معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة، بما يضمن تحقيق أعلى عائد اقتصادي للعراق ويحافظ على الأموال العامة.



