خبرني - يحتل يوم 14 يوليو/تموز مكانة مميزة في تاريخ العاصمة الفرنسية باريس، حيث اقتحم سكانها سجن الباستيل عام 1789 في حدثٍ أصبح رمزاً لبداية الثورة الفرنسية وسقوط الحكم المطلق، ونقطة فاصلة في تاريخ فرنسا الحديثة، إذ مثّل انطلاق مرحلة جديدة من المطالبة بالحرية والمساواة وحقوق المواطنين.
ومن هذا الحدث المفصلي في تاريخها، تبرز باريس بوصفها واحدة من أقدم العواصم الأوروبية وأكثرها تأثيراً في التاريخ السياسي والثقافي والفكري للعالم، فعلى مدى أكثر من ألفي عام تحولت من مستوطنة صغيرة أقامتها قبيلة غالية سلتية على ضفاف نهر السين إلى عاصمة لدولة أصبحت في مراحل مختلفة من أقوى القوى الأوروبية.
كما أصبحت هذه المدينة مركزاً للفنون والعلوم والفلسفة والآداب والثورات السياسية، ولا يمكن فهم تاريخ فرنسا أو أوروبا الحديثة دون التوقف أمام تاريخ باريس، التي ارتبط اسمها بالملكية والثورة والجمهورية والإمبراطورية والاحتلال والتحرير، ثم أصبحت رمزاً عالمياً للثقافة والسياحة والدبلوماسية الدولية.
وتقول دائرة المعارف البريطانية إن باريس تقع في الجزء الشمالي الأوسط من فرنسا على ضفاف نهر السين، على بُعد نحو 375 كيلومتراً من مصبه في القناة الإنجليزية، وتشير الأدلة إلى أن الإنسان استوطن موقع المدينة الحالية منذ حوالي 7600 قبل الميلاد، وقد انطلقت المدينة الحديثة من جزيرة إيل دو لا سيتي، ثم توسعت تدريجياً لتشمل ضفتي نهر السين وتمتد بعيداً عنهما. فما هي قصة باريس المعروفة بمدينة النور؟
البدايات
يرجع تاريخ المدينة إلى القرن الثالث قبل الميلاد عندما استقرت قبيلة "الباريسي"، وهي إحدى القبائل الغالية السلتية التي عاشت في منطقة بلاد الغال، على جزيرة صغيرة وسط نهر السين عُرفت لاحقاً باسم "إيل دو لا سيتي".
وقد اختارت القبيلة هذا الموقع بسبب سهولة الدفاع عنه وسيطرته على طرق التجارة النهرية، الأمر الذي جعل المستوطنة مركزاً تجارياً مهماً قبل وصول الرومان، وكانت الحياة الاقتصادية تعتمد على التجارة وصيد الأسماك والزراعة المحدودة، بينما شكل النهر شريان الحياة الرئيسي الذي ربط المنطقة بالمناطق المجاورة.
وفي عام 52 قبل الميلاد أخضع القائد الروماني يوليوس قيصر بلاد الغال لسيطرة روما بعد حروب طويلة، وتحولت المستوطنة إلى مدينة رومانية عُرفت باسم "لوتيشيا" وأقام الرومان الشوارع المرصوفة والحمامات العامة والمعابد والمسرح والمدرجات، كما أصبحت المدينة جزءًا من شبكة الطرق الرومانية التي ربطت الإمبراطورية بأقاليمها الغربية، وخلال تلك الفترة انتقلت المدينة تدريجياً من الجزيرة إلى الضفة اليسرى لنهر السين، حيث ظهرت المباني الإدارية والأسواق والمساكن الرومانية.
ومع تراجع النفوذ الروماني في بلاد الغال خلال أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع الميلادي، بدأ اسم لوتيشيا يختفي تدريجياً، وحلّ محله الاسم اللاتيني سيفيتاس باريسيوروم، أي مدينة الباريسيين، نسبةً إلى القبيلة التي استوطنت المنطقة قبل الغزو الروماني، ومع مرور الوقت اختُصر الاسم إلى باريس.
وفد تعرضت المنطقة في تلك الفترات لغزوات القبائل الجرمانية، فانكمش حجم المدينة مجدداأ إلى جزيرة إيل دو لا سيتي، التي وفرت لسكانها حماية طبيعية بفضل موقعها في قلب نهر السين.
خلال الحرب العالمية الأولى، نجت باريس من الاحتلال رغم اقتراب القوات الألمانية منها، وكان لمعركة المارن دور حاسم في حماية العاصمة ووقف تقدم الجيش الألماني، أما في الحرب العالمية الثانية، فقد سقطت باريس تحت الاحتلال النازي عام 1940 بعد انهيار فرنسا وسقوط الجمهورية الثالثة، وتم إنشاء حكومة فيشي التابعة للنازيين.
وظلت باريس تحت الاحتلال حتى حررتها قوات الحلفاء والمقاومة الفرنسية في أغسطس/ آب من عام 1944، وهو الحدث الذي أعاد إليها مكانتها باعتبارها رمزا للمقاومة الوطنية.
وقامت الجمهورية الفرنسية الرابعة عام 1946 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ودخلت باريس مرحلة إعادة الإعمار والتحديث، وأصبحت مقرا لعدد كبير من المنظمات الدولية، كما شهدت توسعاً اقتصادياً كبيرا خلال العقود التالية.
ولكن شهدت هذه الفترة تعدد الأزمات السياسية، خصوصاً في ظل تصاعد حركات الاستقلال في المستعمرات الفرنسية، واستمرت الجمهورية الرابعة حتى عام 1958، حين أدت أزمة الجزائر والاضطرابات السياسية إلى عودة شارل ديغول من اعتزاله السياسة وتأسيس الجمهورية الخامسة.
وخلال حرب الجزائر شهدت باريس مظاهرات كبيرة في 17 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1961 شارك فيها عشرات الآلاف من الجزائريين الذين تدفقوا إلى شوارع العاصمة الفرنسية في احتجاجات سلمية على حظر التجول، الذي فرضته السلطات الفرنسية عليهم وحدهم، ورفع المحتجون أيضاً شعارات تطالب بإنهاء الاحتلال الفرنسي للجزائر، بعد 7 سنوات من الحرب المدمرة، وانتهى الأمر بتعرض المئات منهم لمجزرة على يد الشرطة الفرنسية وأعوانها.
وفي عام 1968 كانت المدينة مسرحاً لاحتجاجات طلابية وعمالية واسعة هزت فرنسا، وتركت أثرا دائماً في الحياة السياسية والاجتماعية.
ومن آخر الاضطرابات الكبرى في باريس كانت احتجاجات مارس/ آذار من عام 2006 ضد قانون العمل.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2015 شهدت باريس هجمات إرهابية مأساوية في المدينة وضواحي سان دوني، أسفرت عن مقتل 137 شخصاً وإصابة 415 آخرين
ويعيش في باريس حاليا نحو 2.1 مليون نسمة داخل حدود المدينة، بينما يبلغ عدد سكان المنطقة الحضرية الكبرى حولها حوالي 11 مليون نسمة، وتُعد المدينة مركزا عالمياً للطعام والموضة والتجارة والثقافة.
وتجمع العاصمة الفرنسية بين التاريخ والحداثة بصورة فريدة، فشوارعها التي شهدت مرور الجيوش الرومانية، والثوار الفرنسيين، وجنود الحلفاء، أصبحت تحتضن ملايين الزوار سنوياً مستفيدة من إرثها التاريخي ومتاحفها وقصورها وحدائقها ومراكزها الثقافية ومن أبرز معالمها برج إيفل، وقوس النصر، وشارع الشانزليزيه، وكنيسة نوتردام، وحدائق لوكسمبورغ، ومتحف اللوفر الذي يضم لوحة "الموناليزا" لليوناردو دا فينشي.
5 معلومات مهمة عن باريس
1- تضم باريس أكبر متحف في العالم وأشهر لوحة فنية
يُعد متحف اللوفرأكبر متحف في العالم، إذ تبلغ مساحة العرض فيه نحو 73 ألف متر مربع، أي أكثر من مساحة 10 ملاعب كرة قدم.
وتم بناء اللوفر في الأصل عام 1546 ليكون قلعة دفاعية ثم تحول إلى قصر للعائلة الملكية الفرنسية، وكان أول من سكن القصر هو الملك فرانسيس الأول الذي كان محباً للفنون، وسعى إلى جعل اللوفر مكاناً لعرض مجموعته الفنية.
وقام الملوك اللاحقون، بما في ذلك لويس الثالث عشر ولويس الرابع عشر، بتوسيع مقتنيات التاج الفنية بشكل كبير، حتى إن لويس الرابع عشر حصل على مجموعة الملك الإنجليزي تشارلز الأول بعد إعدامه خلال الحرب الأهلية الإنجليزية.
وظلت المجموعة ملكاً خاصاً في الغالب حتى اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، وفي عام 1793 فُتح اللوفر كمعرض فني عام، وكان يحتوي على 537 لوحة فقط، بينما يعرض المتحف اليوم أكثر من 35 ألف عمل فني، وهذا يعني أنه إذا قضيت 30 ثانية فقط أمام كل قطعة، فستحتاج إلى أكثر من 200 يوم داخل المتحف.
ويُعتبر أشهر عمل فني داخل المعرض هو لوحة الموناليزا التي رسمها ليوناردو دا فينشي بين عامي 1503 و1519.
2. لماذا تُعرف باريس بمدينة النور؟
في أوائل القرن التاسع عشر، أصبحت باريس أول مدينة في أوروبا تستخدم الإضاءة بالغاز لإنارة شوارعها، ولذلك حصلت على لقب مدينة النور، لكن هذا ليس السبب الوحيد لهذا اللقب.
ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، ظهرت حركة فكرية تُعرف باسم عصر التنوير في العالم الغربي، وكانت الفكرة الأساسية لهذه الحركة هي استخدام العقل والاحتفاء به، وكانت أهدافها الأساسية للبشرية هي المعرفة والحرية والسعادة، ومن أبرز شخصيات هذه الحركة فرانسيس بيكون وبنجامين فرانكلين.
لكن أين كان المركز الأساسي لهذا التغيير الكبير في التفكير الإنساني؟ باريس بالطبع، فقد وفرت المقاهي وصالات القهوة في باريس في القرن الثامن عشر مكاناً للنقاشات الفكرية، حيث طور الفلاسفة أفكارا ونظريات جديدة.
3. أول عرض تجاري لفيلم حدث في باريس
في أواخر القرن التاسع عشر، كانت المنافسة على تطوير تقنية تسجيل وعرض الصور المتحركة في أوجها، وكانت الدولتان الرائدتان هما فرنسا والولايات المتحدة.
وكان الأمريكي توماس إديسون وشركته أول من أنتج صورة متحركة للجمهور، وإن كان لجمهور محدود جدا من شخص واحد في كل مرة، وقد سمح جهازه، "كينيتوسكوب"، لشخص واحد بمشاهدة الصور المتحركة في كل مرة.
لكن كان الأخوان لوميير أول من قدم عرضاً جماهيرياً للأفلام أمام جمهور دفع أجر المشاهدة، وبطريقة تشبه دور السينما الحديثة، وكان ذلك في ديسمبر/ كانون الأول من عام 1895 في باريس، وكان الجهاز الذي ابتكراه يسمى "سينماتوغراف"، وهو آلة تصوير وجهاز عرض وطابعة أفلام في جهاز واحد.
4. توجد تماثيل عديدة لتمثال الحرية في أنحاء باريس
لا يوجد شيء أكثر أمريكية من تمثال الحرية، أليس كذلك؟
ليس تماماً: فالنصب الشهير الذي يبلغ ارتفاعه 93 متراً في نيويورك كان في الأصل هدية من الشعب الفرنسي إلى الولايات المتحدة احتفالاً بالصداقة بين البلدين.
وتم صنع التمثال من صفائح نحاسية تم تشكيلها بالمطارق وتثبيتها فوق هيكل ضخم من الدعم الفولاذي، وقد تم تقديم التمثال إلى السفير الأمريكي في فرنسا بتاريخ 4 يوليو/تموز من عام 1884، وفي عام 1885 تم تفكيكه وشحنه إلى نيويورك.
ومع انتقال التمثال الرئيسي عبر الأطلسي، ظهرت عدة نسخ أصغر في باريس، وأكبر هذه النسخ موجود على جزيرة صناعية صغيرة في نهر السين تُسمى "إيل أو سيني"، ويبلغ ارتفاع هذه النسخة 11.5 مترا، وكانت في الواقع هدية من الولايات المتحدة إلى فرنسا ردا على هديتها السابقة.
5. باريس هي ثاني مدينة تستضيف الألعاب الأولمبية الصيفية 3 مرات
استضافت باريس الألعاب الأولمبية في أعوام 1900 و1924 و2024 وهو العام الذي انضمت فيه إلى لندن في نادي المدن التي استضافت الألعاب 3 مرات.
لقد تغيّر الكثير خلال 100 عام منذ آخر استضافة الألعاب الأولمبية في عام 1924 ، ففي ذلك الوقت، شاركت 44 دولة فقط، وكانت بعض المنافسات تشمل العمارة والرسم، كما كانت هناك مسابقة للموسيقى، لكن لم تُمنح ميداليات فيها، ومن الغرائب أيضاً أنه لم تُمنح ميدالية ذهبية في مسابقة العمارة رغم منح فضية وبرونزية.
كما كانت ألعاب 1924 أول من قدّم حفل ختام بالشكل الحديث المعروف اليوم، وأول من أنشأ قرية أولمبية لإقامة الرياضيين.
وبالانتقال إلى 2024، شارك أكثر من 200 دولة في الألعاب، مع إضافة رياضة الرقص (Breakdancing)، ولم يكن هناك مسابقات للرسم أو العمارة هذه المرة.



