*
الاحد: 05 تموز 2026
  • 05 تموز 2026
  • 15:18
حين يضحك طفلك يبدأ دماغه في التعلم بطريقة مختلفة

خبرني  -  الضحك هو أول انفعالاتنا، وأول الأصوات المبهجة التي نسمعها من أطفالنا. وعلى ما يبدو فإن تأثيره أعمق مما نتصور؛ إذ لا يقتصر أثره على اللحظة التي يطلق فيها الطفل ضحكته، بل يصبح جزءا من شبكة واسعة من الخبرات العاطفية المبكرة التي تسهم في تشكيل طريقة عمل الدماغ واستجابته للتعلم، كما تكشف أبحاث حديثة.

 

يضحك ويتعلم

في دراسة نشرت عام 2025 بمجلة "كوغنيتيف ديفلوبمنت" (Cognitive Development) المتخصصة في نمو الإدراك لدى الأطفال، اختبر الباحثون 88 رضيعا لتعليمهم استخدام أداة جديدة؛ شاهدت المجموعة الأولى طريقة الاستخدام بشكل محايد، بينما شاهدت المجموعة الثانية عرضا فكاهيا للطريقة نفسها.

بعد ذلك قيّم الباحثون استجابات الأطفال، لتظهر التحليلات أن الرضع الذين شاهدوا العرض الفكاهي تعلموا بصورة أفضل. وتشير الدراسة إلى أن عنصر المفاجأة الذي يصنع الفكاهة والضحك هو ما يزيد انتباه الأطفال وانخراطهم في التعلم، ويفسر تحسن أدائهم.

في كتاب "الدماغ الذي يحب الضحك" (The Brain That Loves to Laugh) توضح جاكلين هاردينغ كيف يسهم الضحك والمزاج الجيد بشكل عام في نمو دماغ الطفل؛ إذ يهدئ الجهاز العصبي ليصبح الطفل أكثر مرونة وانفتاحا على الأفكار الجديدة.

ويحقق الضحك فوائد جدية أكثر مما نعتقد؛ فهو استجابة بيولوجية معقدة تشمل شبكة من مناطق الدماغ من بينها المناطق الحركية والقشرة الجبهية الأمامية، كما يؤثر في معدل ضربات القلب والتنفس ويزيد إفراز هرمونيّ الإندورفين والدوبامين، مما يقوي جهاز المناعة.

وتشير مراجعة علمية نشرت عام 2017 في مجلة "أدفانسيس إن فيزيولوجي إديوكيشن" (Advances in Physiology Education) إلى التأثير العميق للضحك في العمليات الفسيولوجية، وكيف يعزز عملية التعلم، خاصة أن فعالية التدريس لا تعتمد على المحتوى فحسب، بل تتأثر أيضا بقوة العلاقات والروابط الإنسانية.

 

ضحك الأسرة وروابط الدماغ

داخل الأسرة ومع الوالدين، يرفع الضحك مستوى هرمون الأوكسيتوسين المرتبط بالشعور بالسعادة والأمان، ويبني روابط عاطفية مفيدة للطفل تسهم في تقليل الإرهاق والتوتر. وفي هذه اللحظات، بما تتضمنه من تواصل بصري وانتباه مشترك وتبادل للابتسامات والضحك، يكون الدماغ في أعلى درجات تقبّله، مما يسهم في تنمية المهارات الاجتماعية والذكاء العاطفي.

تتطلب الفكاهة جهدا عقليا أكبر؛ فهي تولد مشاعر ممتعة لكنها في الوقت نفسه تدخل عنصر المفاجأة، وتشترك مناطق واسعة من الدماغ في اكتشاف المفارقة في النكتة أو الموقف، وتوقّع المفاجأة، وهكذا تتحدى الدماغ للتنبؤ بالأفكار المتعارضة وتوفر تدريبا ذهنيا يعزز التفكير الإبداعي وينشط الذاكرة العاملة.

 

كيف تؤثر فينا التجارب العاطفية المبكرة؟

تؤثر العواطف التي يختبرها الطفل في عمر مبكر في نموه البدني والعقلي. فمرور الطفل بفترات طويلة من التوتر في مرحلة الطفولة قد يضر بقدرته على التعلم، ويزيد خطر تعرضه للتوتر أيضا في المراحل اللاحقة، مع ما يصاحب ذلك من زيادة احتمالات الإصابة بالأمراض وضعف المناعة.

تشير دراسة نشرتها مجلة "بلوس وان" (PLOS ONE) عام 2023 إلى أن الضحك يمكن أن يخفض مستويات هرمون الكورتيزول بنسبة تصل إلى 36% في جلسة واحدة، وهو ما يرتبط بانخفاض التوتر ويخفف تأثيره في القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن الانتباه والتخطيط والذاكرة العاملة واتخاذ القرار ومعالجة الأفكار المعقدة. وهذه القدرات العليا هي الأكثر حساسية للتأثيرات السلبية للتعرض المزمن للتوتر، الذي قد يؤدي إلى فقدان سريع للقدرات المعرفية.

يحتاج الجهاز المناعي إلى "مخزون" من التجارب الإيجابية والخبرات العاطفية الجيدة التي تحفز بنية الدماغ. وتشير هاردينغ في كتابها إلى أن الخبرات العاطفية المبكرة تظل جزءا من بنية الدماغ وتؤثر مباشرة في الطريقة التي نتعامل بها مع العالم في الكبر. وحتى لدى الأطفال الذين يتعرضون لصدمات كبيرة، فإن إيجاد طرق لطيفة لإدخال الفرحة يخفف العبء عن الجهاز العصبي، ويساعدهم في استعادة الشعور بالأمان والانفتاح على التجارب الجديدة.

في البيئات التعليمية أيضا، تقلل الفكاهة والضحك ما يعرف بـ"العبء المعرفي" الذي تسببه المعلومات المعقدة، فتجعلها أسهل في الفهم والتذكر. كما يسهم الضحك والفكاهة في تقليل مستويات هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، وزيادة مستويات هرمونات المكافأة مثل الدوبامين، مما يعزز المشاركة ويزيد الدافعية.

 

هل نلقي النكات إذن؟

يتوقف تأثير الضحك في شبكات الدماغ المسؤولة عن الانتباه واللغة والذاكرة والوظائف التنفيذية على نوع الفكاهة وطريقة استخدامها؛ فالمهم ألا يتعرض الطفل للسخرية أو الإهانة، وأن تكون النكتة مناسبة لعمره حتى يفهمها ويلتقط المفارقة فيها، وأن تثير لديه مشاعر إيجابية تجعلنا نضحك معه لا عليه.

تشير هاردينغ إلى أن أكثر أنواع الفكاهة فعالية في فصول الدراسة هو ذلك المرتبط بالتجربة المباشرة أو بالمفهوم الذي يشرحه المعلم؛ إذ يساعد في توضيح الفكرة وفهمها وتذكرها دون أن يكسر إيقاع الدرس. كما أن الدعابة الذاتية (أن يمزح المعلم عن نفسه) يمكن أن تخلق رابطة قوية مع الطلاب، شرط ألا تستخدم بإفراط حتى لا تكسر هيبة المعلم أو تشتت الانتباه.

أخيرا، فإن لحظات الضحك التي نراها نحن الكبار مجرد لحظات سعيدة عابرة، ليست فقط ذكريات جميلة في طفولة الإنسان، بل جزء من البيئة التي يتعلم فيها الدماغ كيف ينتبه ويتذكر ويستكشف العالم بثقة أكبر.

مواضيع قد تعجبك