*
الاثنين: 29 حزيران 2026
  • 29 حزيران 2026
  • 22:43
كم ينبغي أن ندفع مقابل طعامنا

خبرني - يقول جولز بال إنه لاحظ تغيراً في نظرة الإسكتلنديين فيما يخص علاقتهم بالطعام، ويرى أن الناس أصبحوا أكثر استعداداً لدفع مبالغ إضافية مقابل الحصول عليه.

ينضم المواطن الفرنسي، البالغ من العمر 34 عاماً، وهو شريك في ملكية شركة صغيرة لإنتاج الزبدة الحِرَفِيّة (التي تعتمد على الأيدي العاملة الماهرة والطرق التقليدية بدلاً من خطوط الإنتاج الآلية الضخمة) في غلاسكو، إلى مجموعة من الأشخاص الذين يُبدون قلقهم إزاء التوجه نحو توفير أغذية أرخص سعراً، كحل لأزمة غلاء المعيشة.

ويقول جولز إن التركيز في مسقط رأسه ينصبّ بشكل أكبر بكثير على الجودة، وإن الناس يولون اهتماماً بالغاً لمصدر المنتَج ومذاقه.

يبدو أن هذا النقاش يتعارض مع الدعوات الأحدث إلى جعل أسعار بعض المواد الغذائية معقولة. فقد تعهد الحزب الوطني الإسكتلندي، أثناء برنامجه الانتخابي الأخير لانتخابات هوليرود، بفرض سقف على أسعار "سلة من المواد الغذائية الأساسية"، بما في ذلك الخبز والحليب والبيض.

واجهت تلك الوعود انتقادات من المزارعين ومنتجي الأغذية، إلا أن الحكومة الإسكتلندية صرحت بأن عليها "مسؤولية تتعلق بالصحة العامة" تتمثل في توفير نظام غذائي صحي ومفيد وبأسعار معقولة.

وُلد جول في مدينة لا روشيل الفرنسية، التي تقع على ساحل خليج بسكاي، وانتقل إلى إسكتلندا في سن الـ14.

وقد تلقى تعليمه على يد والده الذي كان يعمل طاهياً في مطاعم راقية، ولذلك "نشأ في المطبخ".

أسس جول شركة "وي نوب أوف باتر" عام 2021 بالتعاون مع صديقه كيران وودز، وبدأت الشركة ببيع منتجهما مرة واحدة شهرياً في أحد الأسواق.

وتُورَّد الزبدة الآن إلى مجموعة من المطاعم الإسكتلندية المرموقة، وتُباع عبر طلبات بريدية. ليس هذا فحسب، بل تُقدم أيضاً على متن قطار "رويال سكوتسمان" الفاخر.

ويقول جول: "في فرنسا، نحب أن نأخذ وقتنا في تناول الطعام. كما نحب أن تربطنا علاقة قوية بطعامنا، فالجودة ليست بالضرورة ترفاً، بل هي ببساطة أمر نتوقع الحصول عليه كعائلة".

ويضيف: "لكن إسكتلندا تشهد صعوداً لافتاً؛ فالناس باتوا يهتمون حقاً بمصدر طعامهم، وأصبحوا يخصصون المزيد من الوقت للتبضع في الأسواق المحلية لضمان الحصول على منتجات عالية الجودة".

شراء السلع المعبأة
حجم الأموال المخصصة من دخل أسرنا التي ننفقها على غذائنا، تغيّر بشكل كبير على مر السنين.

فوفقاً لمسح بعنوان "تكاليف المعيشة والغذاء"، الذي تجريه الحكومة البريطانية، انخفضت نسبة إجمالي الإنفاق المخصصة للغذاء إلى النصف خلال الفترة الممتدة لـ60 عاماً حتى عام 2016 من 33 في المئة إلى 16 في المئة فقط.

ويرى الخبراء أن جزءاً من ذلك يعود إلى تحويل الزراعة إلى نشاط صناعي ما يقلل تكاليف الإنتاج، فضلاً عن استغلال متاجر الطعام لقوتها الشرائية للحفاظ على انخفاض الأسعار.

لكن خبير شؤون الغذاء، بيتر غيلكريست، يقول إن الكثيرين منا لا يعرفون كيفية إنتاج الغذاء.

شراء السلع المعبأة
حجم الأموال المخصصة من دخل أسرنا التي ننفقها على غذائنا، تغيّر بشكل كبير على مر السنين.

فوفقاً لمسح بعنوان "تكاليف المعيشة والغذاء"، الذي تجريه الحكومة البريطانية، انخفضت نسبة إجمالي الإنفاق المخصصة للغذاء إلى النصف خلال الفترة الممتدة لـ60 عاماً حتى عام 2016 من 33 في المئة إلى 16 في المئة فقط.

ويرى الخبراء أن جزءاً من ذلك يعود إلى تحويل الزراعة إلى نشاط صناعي ما يقلل تكاليف الإنتاج، فضلاً عن استغلال متاجر الطعام لقوتها الشرائية للحفاظ على انخفاض الأسعار.

لكن خبير شؤون الغذاء، بيتر غيلكريست، يقول إن الكثيرين منا لا يعرفون كيفية إنتاج الغذاء.

ويقول بيتر غيلكريست: "في نهاية المطاف، أنت تشتري سلعاً معبأة. أنت لا تذهب إلى بائع الخضار لتسأله: 'ما الطازج؟ وما المتاح في الموسم الحالي؟ وما أفضل منتجاتك؟'. ليس أمامك في الواقع سوى خيار واحد، وهو أن تدخل المتجر ومعك عربة التسوق، ثم تتسوق".

ويعتقد غيلكريست أنه أثناء الأزمات، يتعين على الحكومات التدخل، لضمان توفر الغذاء بأسعار معقولة، كما فعلت في الماضي. لكنه يشير إلى أن هذا التدخل يجب أن يتجاوز مجرد فرض سقف للأسعار.

ويضيف قائلاً: "يمكننا السعي لإصلاح أنظمتنا الغذائية وضمان توفر معلمين لمادة الاقتصاد في المدارس، حتى يتعلم كل شاب كيفية الطهي باستخدام تلك السلع الغذائية، محددة الأسعار، ولنحظى بتعليم أفضل حول المحاصيل التي تنمو محلياً، والمنتجات الإسكتلندية عالية الجودة".

على الرغم من أن متوسط الإنفاق على الغذاء يبلغ حوالي 16 في المئة من إجمالي ميزانيات الأسر، إلا أن ذوي الدخل المنخفض قد ينفقون نسبة أكبر بكثير على غذائهم.

هذا الأمر يثير قلق البروفيسورة أليكس جونستون، وهي عالمة تغذية في معهد "رويت" بجامعة أبردين، حيث تشير إلى أن الأسعار قد ارتفعت بالفعل بنسبة 40 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية.

ووفقاً لحسابات أجرتها، فإن بعض الأشخاص سيحتاجون إلى إنفاق نحو نصف دخلهم المتاح على شراء الطعام، وهذه النسبة سترتفع لتصل إلى حوالي 85 في المئة بالنسبة للأسر التي لديها أطفال.

وأضافت جونستون: "يعني ذلك أن هذه الأسر تعاني من 'انعدام الأمن الغذائي'؛ فهم يعيشون في ظل فقر غذائي، ولا يمتلكون القدرة المالية أو سبل الوصول إلى نظام غذائي صحي".

كما أوضحت أنه إذا فُرض سقف للتكلفة، فينبغي أن يشمل مجموعة متنوعة من الأغذية الصحية والمستدامة بيئياً والمقبولة ثقافياً، بما في ذلك الوجبات الجاهزة الصحية، وذلك مراعاة للأسر ذات الدخل المحدود التي غالباً ما تفتقر أيضاً إلى الوقت الكافي.

مخاوف المزارع
 

لطالما ساورت المزارعين مخاوفُ بشأن الضغوط التي تتعرض لها هوامش أرباحهم، نتيجةً للمطالبات بتوفير أغذية بأسعار أرخص، والالتزام بمعايير صارمة لرفاهية الحيوان، وتعزيز الممارسات البيئية المسؤولة.

ويعاني قطاع تربية الخنازير على وجه الخصوص جرّاء تفشي حمى الخنازير الأفريقية في إسبانيا، وهو ما أثّر بشدة على صادرات البلاد وأدى إلى فائض ضخم من لحوم الخنازير في الأسواق الأوروبية.

وهذا يعني أن مزارعي الخنازير الإسكتلنديين، يخسرون ما يصل إلى 1000 جنيه إسترليني (1300 دولار أمريكي) لكل خنزيرة أُمّ، بحسب اتحاد المزارعين الوطني في إسكتلندا.

ولطالما دعا الرئيس السابق للاتحاد الوطني للمزارعين في إسكتلندا، مارتن كينيدي، إلى رفع أسعار المواد الغذائية لجعل الأعمال الزراعية أكثر ربحية.

ويقول كينيدي: "إذا واصلنا الضغط على المنتجين الأوليين، فسيقولون ببساطة، لم نعد قادرين على الاستمرار في ذلك، وسنصبح معتمدين بشكل متزايد على الواردات".

يقول كينيدي، الذي يمارس الزراعة في بلدة أبيرفيلدي بمقاطعة بيرثشاير، إن هناك تركيزاً مفرطاً على توفير أغذية "رخيصة"، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الواردات المنتجة في ظل ظروف تُعد غير قانونية في إسكتلندا.

ويضيف: "إذا كانت أولويتك الحقيقية تتمثل في الصحة وتوفير ما يكفي من الغذاء بأسعار معقولة، فيتعين لنا أن نركز فعلياً على الغذاء الجيد، الذي ننتجه هنا في جميع أنحاء المملكة المتحدة، والذي يُعرف، ولا سيما هنا في إسكتلندا، بجودته العالية".

ويُعد معرض "رويال هايلاند" حدثاً بارزاً ضمن فعاليات الموسم الزراعي، والذي يمثل منصةً لعرض الثروة الحيوانية والمنتجات الغذائية الإسكتلندية، إذ يضم قسماً يُعرف باسم "مخزن أطعمة إسكتلندا"، حيث تتناوب مناطق مختلفة على عرض وبيع الأغذية التي تنشأ من تلك المنطقة وبيعها.

كان الدور هذا العام من نصيب مقاطعتي أبردين وأبردينشاير، حيث شاركت شركة "رورا ديري"، الواقعة بالقرب من لدة ببيترهيد، في المعرض للمرة الأولى، إلى جانب العشرات من منتجي الأغذية الصغار الآخرين.

تُصنع الشركة الزبادي العضوي، الخالي من الإضافات، من الحليب الذي ينتجه قطيعها الخاص من الأبقار، والذي يُباع في بعض متاجر الأطعمة، بما في ذلك سينسبري وموريسونز.

تقول المالكة جين ماكي إن الطلب على منتجات الألبان العضوية يتزايد عاماً بعد عام، ولا سيما الحليب، وإن هذا النمو يحدث بوتيرة أسرع في إنجلترا مقارنةً بإسكتلندا.

كما ترى ماكي أن بإمكان المستهلكين التفكير في تقليل وتيرة تناول منتجات مثل الزبادي، مع اختيار أنواع ذات جودة أعلى، كالأغذية العضوية، كمكافأة لأنفسهم.

وتضيف: "إذا كانت أولويتك الحقيقية تتمثل في الصحة وتوفير ما يكفي من الغذاء بأسعار معقولة، فيتعين لنا أن نركز فعلياً على الغذاء الجيد الذي ننتجه هنا في جميع أنحاء المملكة المتحدة، والذي يُعرف، ولا سيما هنا في إسكتلندا، بجودته العالية".

وتضيف جين: "نحن لا نُعَلّم الناس بما يكفي ليدركوا أنه بإمكانهم إطعام أطفالهم بطريقة مختلفة".

إن إطعامهم قطع دجاج "ماك ناغتس" أقل تكلفة بكثير من طهي الطعام في المنزل، وأعتقد أن هذه مشكلة حقيقية.

أعتقد أنه يتعين علينا إدراك أنه من المهم لمجتمعنا وللصحة على المدى الطويل، أن نعلم أن إنفاق مبلغ إضافي بسيط على الطعام يُعد أمراً جيداً.

في عام 2022، أقرّت الحكومة الإسكتلندية تشريعاً يُعرف باسم "قانون أمة الغذاء الجيد في إسكتلندا"، والذي يهدف إلى ضمان أن يتناول الناس طعاماً جيداً، وأن يحظوا بفرص موثوقة وكريمة للحصول على أغذية صحية وميسورة التكلفة وممتعة ومناسبة لأعمارهم.

ووصف بعض تجار التجزئة التزام الحزب الوطني الإسكتلندي، الوارد في برنامجه الانتخابي، بوضع سقف لأسعار بعض المواد الغذائية بأنه "حيلة سخيفة".

لكن الوزير الأول جون سويني شدد على أن عجز بعض الأشخاص عن تحمل تكاليف توفير غذاء ملائم لأنفسهم يُعد "فضيحة أخلاقية".

وصرّح لبي بي سي "إسكتلندا نيوز" قائلاً: "أنا أقدّر وأحترم جودة المنتجات الزراعية الإسكتلندية، لكن عليَّ أيضاً أن أضع في الاعتبار المصاعب الحقيقية التي تواجهها الأسر في توفير مشتريات بأسعار معقولة".

وقال سويني إن ذلك هو السبب الذي دفع حكومته إلى طرح تشريع لفرض سقف للأسعار.

ويواجه المزارعون مطالب متزايدة لتلبية احتياجات الطبيعة والبيئة، بالإضافة إلى احتياجات المستهلكين.

وتساور منتجي الأغذية مخاوف حقيقية من أنهم "بصدد سباق نحو القاع"، كما يخشون من أن يؤدي ذلك إلى تدفق واردات رخيصة تُخرجهم من المنافسة في السوق.

مواضيع قد تعجبك