خبرني - لم تعد الحرارة مجرد مشكلة مناخية، بل أصبحت حالة طوارئ صحية. هذا ما أقرت به منظمة الصحة العالمية في أحدث تشخيص لها، لما تشهده الأرض من ارتفاع خطير وغير مألوف في درجات الحرارة، حتى باتت تهدد حياة البشر وسبل العيش في المدن والمجتمعات غير الحضرية على السواء.
وتجد أوروبا نفسها اليوم في قلب هذه الأزمة، بعدما تحولت موجات الحر المتكررة إلى اختبار قاسٍ لأنظمة الصحة والبنى التحتية والحياة اليومية، من المدارس والمستشفيات إلى شبكات النقل والعمل في الهواء الطلق، بحسب الجزيرة.
وتكشف هذه الموجات، وفق خبراء، أن تسارع التغير المناخي لم يعد تهديدا مستقبليا، بل واقعا يفرض على الحكومات التعامل مع الحرارة بوصفها خطرا صحيا مباشرا، لا مجرد ظاهرة موسمية عابرة.
فما سبب هذه الموجات المتواترة وما أثرها على المجتمعات وما الذي يخشاه العلماء، ثم بماذا ينصح خبراء الصحة العالمية؟
ما أثر الإجهاد الحراري؟
تُعَد المنطقة الأوروبية الأسرع احترارا في العالم، وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أنه في السنوات الأربع الماضية وحدها حصدت الحرارة أرواح أكثر من 200 ألف شخص، بينما ارتفعت الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة 30% خلال العشرين عاما الماضية.
تتحدد درجة التأثر بالحرارة بناءً على عوامل فسيولوجية، مثل العمر والحالة الصحية، وعوامل أخرى تتعلّق بالتعرض للحرارة مثل طبيعة العمل والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
وعموما يؤدي عجز الجسم عن تنظيم درجة حرارته الداخلية والتخلّص من الحرارة المكتسبة في ظل هذه الظروف إلى زيادة خطر الإصابة بالإجهاد الحراري وضربة الشمس.
كما أن الجهد الذي يبذله الجسم لتبريد نفسه يضع عبئا إضافيا على القلب والكلى، ونتيجة لذلك، يمكن لدرجات الحرارة المتطرفة أن تفاقم المخاطر الصحية المرتبطة بالأمراض المزمنة (مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، والاضطرابات النفسية، وأمراض الجهاز التنفسي، والسكري)، وأن تتسبب في إصابات حادة في الكلى.
ويقول لوري بارسونز، الخبير في الجغرافيا البشرية بكلية "رويال هولواي" – جامعة لندن، : "إن الإجهاد الحراري هو حاليا أكبر خطر بيئي في العالم، حيث يموت ما يقرب من نصف مليون شخص سنويا بسبب أمراض مرتبطة بالحرارة، وفقا لمنظمة الصحة العالمية".
وهذه الحقيقة وحدها كافية لأن تجعل الناس في حالة ذعر اليوم، حيث يعتمد حجم وطبيعة الآثار الصحية للحرارة على توقيت الموجة الحارة وشدتها ومدتها، فضلا عن مستوى تأقلم السكان المحليين والبنية التحتية والمؤسسات مع المناخ السائد وقدرتهم على التكيف معه.
ما الذي يُسبب موجة الحر؟
برزت فرنسا مركزا في الأزمة، حيث سجلت الثلاثاء أشد يوم لها حرارة في تاريخها، وفقا لأرقام مؤقتة من وكالة الأرصاد الجوية ميتيو-فرانس. وبلغ متوسط درجة الحرارة على المستوى الوطني 29.8 درجة مئوية، متجاوزا رقما قياسيا تم تسجيله في عام 2019، بينما تجاوزت إحدى المدن 44 درجة مئوية.
أفاد خبراء الأرصاد الجوية بأن درجات الحرارة المتطرفة هذه ناجمة عن "قبة حرارية"، وهي منطقة واسعة من الضغط الجوي المرتفع استقرت فوق أوروبا الغربية.
تستمر هذه الظاهرة بفعل ما يُعرف بـ"حاجز أوميغا"، وهو نمط جوي سُمي تيمنا بالحرف اليوناني نظرا للشكل المماثل الذي يرسمه في الغلاف الجوي.
في الظروف المعتادة، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية من الغرب إلى الشرق. أما في حالة "حاجز أوميغا"، فيختل هذا التدفق، مما يؤدي إلى انحصار مرتفع جوي بين نظامين من الضغط الجوي المنخفض. ويدفع ذلك إلى بقاء كتل هوائية حارة وراكدة محتجزة فوق المنطقة نفسها لأيام أو حتى أسابيع.
وعلى سبيل المثال، ذكرت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية أن التقلبات المناخية وضعت بريطانيا خلال هذه الموجة عند الحد الفاصل بين نظام الضغط المرتفع وكتلة هوائية أبرد تقع إلى الشمال الغربي، مما أحدث تباينا حادا بين الأجواء الأكثر حرارة في الجنوب والشرق، والطقس الأبرد والأكثر رطوبة في المناطق الواقعة إلى الشمال.
ما مسؤولية البنية التحتية؟
حذّر العلماء من أن أوروبا معرضة للخطر بشكل خاص لأن معظم مساكنها وبنيتها التحتية لم تُصمم لتحمل فترات طويلة من الحرارة الشديدة. كما أن المباني في العديد من الدول الشمالية صُممت تاريخيا للاحتفاظ بالحرارة بدلا من تصريفها.
وما يفاقم الوضع هو أن حوالي 20% فقط من المنازل والمنشآت الأوروبية بما في ذلك المؤسسات الصحية والمدارس ودور الرعاية مزودة بتكييف، وهي نسبة تقل كثيرا عما هو سائد في الولايات المتحدة ودول آسيا والشرق الأوسط، التي صُممت فيها المساكن والمناطق العمرانية المزودة بأنظمة تكييف، للتكيف مع الحر.
وهذه من بين الأسباب التي تجعل حقيقة أن التعرّض للحرارة بشكل عام يرتبط ارتباطا وثيقا بالتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والضعف البيئي، وهذا ما لاحظه الخبير لوري بارسونز، من جامعة "رويال هولواي"، من أن الآثار لا تقع على الجميع بالتساوي.
ويضيف في تعليقه على هذه النقطة أن المجتمعات ذات الدخل المنخفض تواجه مخاطر أكبر بكثير فيما يتعلق بالإجهاد الحراري والهشاشة المناخية، وذلك نتيجة لعوامل مجتمعة تشمل ضعف عزل المساكن والاعتماد على وظائف مستنزفة بدنيا في الهواء الطلق.
ما الذي يتعيّن فعله؟
تشير البيانات بوضوح إلى أن درجات الحرارة في أنحاء أوروبا ترتفع بمعدل يناهز ضعف المتوسط العالمي، مما يزيد احتمالية حدوث موجات حر شديدة وتفاقم حدتها في المستقبل.
ولهذا السبب يقول المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس إن التأخر لم يعد متاحا، إذ يتعيّن على القادة إعطاء الأولوية للاستثمار في نُظم صحية قادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، بالتزامن مع تسريع وتيرة العمل المناخي والحد من مسببات أزمة المناخ.
ولحماية السكان، تحث منظمة الصحة العالمية السلطات على تبريد المدن، وضمان الوصول إلى المياه والمناطق المظللة، وحماية الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، وإعداد الأنظمة والتجهيزات الصحية تحسبا لارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير عادية.



