خبرني - كشفت «فوربس الشرق الأوسط» في عددها لشهر حزيران عن قائمتها السنوية لأقوى 100 شركة عائلية عربية لعام 2026، والتي ضمت مجموعة شركات المناصر.
ونشرت المجلة تقريرا خاصا ومنفصلا عن مجموعة المناصير ، استعرض مسيرة رجل الأعمال زياد المناصير في بناء المجموعة ، التي نمت منذ تأسيسها عام 1999 لتضم أكثر من 40 شركة واستثمارات تتجاوز 3.5 مليار دولار.
كما تناول التقرير خطط المجموعة للتوسع في الأردن وسوريا، ومشاريعها الجديدة في الأسمدة والنحاس والطاقة والغاز الطبيعي، ودورها في دعم التحول الطاقي والتنمية الاقتصادية في الأردن.
فيما يلي نعيد نشر التقرير كما ورد في المجلة :
شهد مناخ الاستثمار في الأردن تحولًا ملحوظًا مع تجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ملياري دولار في عام 2025، بزيادة 25.1% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد منذ عام 2017، بحسب وزارة الاستثمار الأردنية. كما استحوذ قطاعا التصنيع والتعدين معًا على أكثر من 19% من إجمالي التدفقات، ما يؤكد تنامي قوة القطاعات الصناعية ضمن مشهد استثماري أوسع، حيث تظل مجموعة المناصير من أبرز شركات القطاع الخاص الأردني.
وتتماشى هذه التطورات مع رؤية تشكّلت قبل نحو 27 عامًا لدى زياد المناصير، مؤسس ورئيس هيئة مديري مجموعة المناصير، الذي وضع أسس التوسع عبر قطاعات اقتصادية متنوعة، فركزت رؤيته بشكل كبير على المزايا التنافسية للأردن، مع إعطاء الأولوية للقيمة الاقتصادية الوطنية طويلة الأمد، إلى جانب نمو الأعمال.
يذكر المناصير: "عندما بدأت العمل في الأردن، كانت قيمة محفظة استثماراتي تبلغ نحو 50 مليون دولار، ممولة بالكامل من رأس مالى الخاص الذي جنيته بعد سنوات من الاستثمار الناجح في روسيا. منذ ذلك الحين، نمت بشكل مطّرد لتتجاوز حاليًا 3.5 مليار دولار".
تأسست مجموعة المناصير عام 1999، ونمت لتصبح مجموعة متنوعة تضم أكثر من 40 شركة، تغطي سلاسل القيمة الكاملة لقطاع الإنشاءات، من: مواد البناء والأسمنت إلى مواد البناء الكيميائية، والخرسانة الجاهزة، والمنتجات الخرسانية، والهياكل الفولاذية. وتمتد أنشطة المجموعة أيضًا إلى الأسمدة، والطاقة، والتعدين، والحلول الصناعية، والخدمات اللوجستية. ويعمل في المجموعة اليوم أكثر من 10 آلاف موظف، مقارنة بـ15 موظفًا فقط عند التأسيس.
لم تكن رحلة بناء مجموعة بهذا الحجم سهلة، لكنها ظلّت مرتبطة بالتزام كبير تجاه تنمية الأردن. ففي ثمانينات القرن الماضي، انتقل المناصير إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة تكنولوجيا النفط في جامعة باكو الحكومية (Baku State University) ليجمع آنذاك بين الدراسة والتجارة والعمل المبكر في سوق الأسمدة. وفي عام 1994، أسس شركة (Stroygazconsulting) في روسيا، التي نمت تدريجيًا لتصبح من أهم شركات الإنشاءات في البلاد.
لكن على الرغم من نجاحه، ظلّت العودة إلى الأردن طموحًا طويل الأمد. في عام 1999، أسس رسميًا مجموعة المناصير في المملكة، ووضع أسس توسعها المستقبلي لاحقًا. يوضح بقوله: "عدت إلى الأردن حين لاحظت الحاجة إلى وجود خدمات ومنتجات ذات جودة أفضل في السوق المحلية، ما حفزني على الاستثمار في البلاد. بعد ذلك، بدأنا بإطلاق شركات جديدة كل عام تقريبًا".
انتهى فصل الاستثمار الدولي للمناصير رسميًا في عام 2014، مع إغلاق العمليات في روسيا، ما شكّل بداية مرحلة جديدة ركزت على تعزيز الاستثمارات وتنويعها داخل الأردن. وكان المناصير مدرجًا في قوائم فوربس السنوية للمليارديرات بين عامي 2011 و2015، ضمن المليارديرات المصنفين من روسيا، حيث ارتفع صافي ثروته من 2.1 مليار دولار في عام 2011 إلى ذروة بلغت 2.8 مليار دولار في 2014، قبل التراجع عام 2015 إلى 1.1 مليار دولار، وهو عامه الأخير في القائمة. مع ذلك، اتسمت السنوات اللاحقة بالتوسع في قطاعات جديدة.
في حين يرى المناصير أن تنافسية الأردن على المدى الطويل، تستند إلى مزيج من المزايا الهيكلية، أبرزها: الموقع الاستراتيجي الإقليمي، والاستقرار والنمو الاقتصادي، والبنية التحتية المتطورة، ورأس المال البشري المؤهل، إلى جانب سهولة الوصول إلى الأسواق العالمية، وحوافز الاستثمار، والإعفاءات الضريبية. يقول: "نحاول أن نكون واقعيين، وأن نستفيد من أي فرصة متاحة، خاصة في التصدير. ومع تمتع الأردن بكفاءات بشرية، أعتقد أن الاستفادة منها ممكنة، إلى جانب اغتنام ما يبرز من الفرص الاستثمارية". وفيما يتعلق بالمنافسة، يرى المناصير أنها تشكل عاملًا إيجابيًا يدعم تطور الأسواق، مؤكدًا أن "المنافسة الصحية والعادلة أمر إيجابي".
توضح الأرقام نتائج هذا النهج، إذ ارتفعت الإيرادات السنوية لمجموعة المناصير بشكل ملحوظ، لتتجاوز حاليًا 2 مليار دولار. ويشير المناصير إلى أن قطاع الطاقة يمثل الحصة الأكبر منها، ليساهم بنحو 70%، فيما تبلغ نسبة مساهمة حلول الإنشاءات نحو 30%، إلى جانب أنشطة متنوعة أخرى أصغر حجمًا.
ومع أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة أدت إلى تباطؤ الزخم في بعض أجزاء السوق، إلا أن المناصير يرى فرصًا طويلة الأمد، خاصة في مشاريع إعادة الإعمار. يقول: "ننتج مواد البناء ونعمل على تصديرها وتوريدها إلى الضفة الغربية والعراق وسوريا. ومن المتوقع أن تكون الكميات ضخمة".
أما عن سوريا، فيؤكد المناصير على أن خطط التوسع قائمة بالفعل عقب التطورات الأخيرة في البلاد، ضمن استراتيجية المجموعة الأوسع للتوسع الإقليمي. وتشمل الخطط الأولية ضخ مئات الملايين من الدولارات في السوق السورية، مع التركيز بشكل رئيسي على قطاع الطاقة، بينما لا تزال استراتيجيات الاستثمار الأوسع قيد التطوير.
ومن جهته، يوضح روحي أفغاني، الممثل المقيم بالإنابة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا (UNDP) بالقول: "التحول الذي شهدته سوريا في عام 2024 فتح فصلًا جديدًا للبلاد. وما نشهده اليوم هو انفتاح اقتصادي تقوده إجراءات حكومية، ومدعومًا باهتمام دولي وإقليمي لجهود التعافي في سوريا". ويضيف أن الحكومة تعمل على تهيئة الأسس اللازمة لاستقطاب استثمارات واسعة النطاق، من خلال إعادة هيكلة هيئة الاستثمار السورية، وإصلاح قوانين الاستثمار والضرائب، وتبسيط إجراءات التراخيص، ووضع استراتيجيات للمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والشركات الكبرى.
وبعيدًا عن التوسع الإقليمي، تواصل مجموعة المناصير تعزيز حضورها الصناعي في الأردن، مع تنفيذ موجة جديدة من الاستثمارات واسعة النطاق. ويظل مجمع المناصير الصناعي، البالغة قيمته 1.5 مليار دولار والذي تأسس عام 2008، وبدأ التشغيل في 2011، إحدى الركائز الصناعية الرئيسية للمجموعة، بطاقة إنتاجية سنوية تتراوح بين 4.5 و5 ملايين طن من مواد البناء، والمعادن الصناعية، والتكنولوجيا الزراعية.
وبناء على هذه القاعدة الصناعية العريضة، تخطط المجموعة لتنفيذ مشروعين رئيسيين هما: مجمع صناعي للأسمدة بقيمة مليار دولار، من المقرر بدء عمليات إنشائه مطلع عام 2027، لإنتاج أكثر من 15 منتجًا متخصصًا، بالإضافة إلى مشروع لتعدين النحاس بقيمة 500 مليون دولار، من المتوقع أن تبدأ أعماله الإنشائية في نهاية عام 2028، بطاقة إنتاجية سنوية متوقعة تتراوح بين 20 إلى 30 ألف طن من النحاس المطابق لمعايير بورصة لندن للمعادن.
فيما يتعلق بأسواق المال، تتبع المجموعة استراتيجية انتقائية من حيث الإدراجات الجديدة. يقول المناصير: "لدينا شركتان مدرجتان، وليس من خطط لإدراج شركات إضافية. إن الإدراج في البورصة لا يمكن أن يتم عشوائيًا".
وفي ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، ارتفع سعر سهم شركة آفاق للطاقة بنسبة 2% بين نهاية فبراير/ شباط 2026 و11 مايو/ أيار 2026 ليصل إلى 3.7 دولار، بينما ارتفع صافي أرباحها بنسبة 2.6% على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2026 إلى 8.1 مليون دولار. لكن تراجع سعر سهم شركة آفاق للاستثمار والتطوير العقاري القابضة بنسبة 2.8% خلال الفترة نفسها ليصل إلى 0.5 دولار، مع زيادة خسائرها إلى 2 مليون دولار خلال الربع الأول من 2026، وتراجع الإيرادات.
وبعيدًا عن أسواق المال، تعد المجموعة من أوائل المشاركين في مسار تحول الطاقة في الأردن، من خلال إطلاق أول محطة متنقلة لتزويد المركبات بالغاز الطبيعي المضغوط في المملكة عام 2025، في وقت يتزايد فيه الإقبال على حلول النقل النظيف والبنية التحتية للطاقة البديلة.
يستهدف الأردن أيضًا تحولًا هيكليًا أوسع في قطاع النقل، مع توقعات بأن تمثل المركبات الكهربائية 60% من مبيعات السيارات الجديدة سنويًا بحلول عام 2035، ليبلغ نحو 500 ألف مركبة، إلى جانب توسع استخدام الغاز الطبيعي المضغوط، خاصة في قطاع النقل الثقيل.
في هذا السياق، تواصل المجموعة توسيع حضورها في البنية التحتية للغاز. ففي حقل غاز الريشة، من المتوقع استكمال تركيب المعدات في نهاية يونيو/ حزيران 2026، بالتزامن مع خطط لإطلاق محطات تزويد جديدة في العاصمة عمّان، تخدم الشاحنات والعملاء الأفراد. يوضح المناصير: "نعمل باستمرار على تطوير هذا القطاع بشكل كبير، مع تركيز أساسي على ربط مختلف أنحاء الأردن بالغاز الطبيعي المضغوط، لخفض تكاليف الوقود، وتعزيز تنافسية الأردن عالميًا من حيث تكاليف الطاقة، وتحسين الاستفادة من الموارد الوطنية".
ولدعم هذا التحول، أطلقت المجموعة في عام 2025 مركز الآليات لصيانة المناصير الثقيلة، لدعم عمليات التحويل واسعة النطاق من الديزل إلى الغاز، بينما يشهد المركز حاليًا مرحلة تدريب المتخصصين. كما استبدلت المجموعة أسطوانات الغاز المنزلية التقليدية المصنوعة من الحديد بأسطوانات غاز مركبة بلاستيكية في مايو/ أيار 2026، بعد حصولها على الموافقات التنظيمية.
في حين تتوافق هذه المبادرات بشكل مباشر مع أجندة الأردن الوطنية للتحول في قطاع الطاقة، التي تتضمن زيادة الإنتاج في حقل غاز الريشة لنحو 11.8 مليون متر مكعب يوميًا بحلول عام 2029، و23 مليون متر مكعب يوميًا في 2035، إلى جانب خطط لربطه بخط الغاز العربي.
يعلّق ميكائيل غونديراند، نائب الرئيس والمحلل لدى وكالة موديز للتصنيف الائتماني: "على المدى الطويل، سيعزز تطوير حقل غاز الريشة وربطه مستقبلًا بخط الغاز العربي، إنتاج الغاز المحلي بشكل كبير، بدءًا من عام 2029"، مضيفًا أن لجهود الإصلاح الحكومية الجارية على نطاق واسع، القدرة على تسريع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى الاقتصاد الأردني.
كما يستهدف الأردن رفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج إنتاج الكهرباء، لأكثر من 30% بحلول عام 2030، مقارنة بـ27% حاليًا، مع طموحات طويلة الأجل للوصول إلى 50% من خلال مشاريع جديدة لتوليد الطاقة وتخزينها. ولدى مجموعة المناصير بالفعل أكثر من 40 محطة لشحن المركبات الكهربائية في مختلف أنحاء المملكة، ما يعكس مواكبتها هذا التوجه.
يؤكد كاران غوبتا، المدير الأول في (EY-Parthenon) على أن الحكومة الأردنية جعلت المركبات الكهربائية خيارًا اقتصاديًا أكثر جدوى، من خلال تقديم تخفيضات على الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة عليها، قائلًا: "قد تؤدي التوترات الجيوسياسية إلى تسريع السياسات الحكومية، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص التي انتظرت طويلًا على الهامش. لكن ما نشهده اليوم، بدءًا من استراتيجيات الطاقة الوطنية وصولًا إلى تحوّل الشركات العائلية في بنيتها التحتية الأساسية، ليس مجرد رد فعل على الأحداث الراهنة، بل هو ثمرة سنوات من التخطيط طويل الأمد والاستثمار المدروس ورؤية واضحة لاتجاه المنطقة."
وتتزامن هذه المبادرات مع إصلاحات استثمارية أوسع في الأردن، تستقطب اهتمام المؤسسات المالية الدولية. ووفقًا لمجموعة البنك الدولي، اتخذ الأردن خلال السنوات الأخيرة خطوات رئيسية لتعزيز مناخ الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال، رغم التحديات الإقليمية والعالمية. وتركزت الإصلاحات والشراكات الحكومية على تبسيط اللوائح التنظيمية، وتوسيع الخدمات الحكومية الرقمية، وتحسين حوكمة الاستثمار، وتعزيز التنافسية في القطاعات الرئيسية. وفي عام 2025، وافقت
مجموعة البنك الدولي على تمويل بقيمة 1.1 مليار دولار لدعم رؤية التحديث الاقتصادي في الأردن، وتعزيز المرونة الاجتماعية والاقتصادية.
يدل حجم مجموعة المناصير وطموحاتها على أنها لا تُدار كشركة عائلية تقليدية، بل كشركة خاصة بُنيت وتُدار باحترافية، مع التركيز على الاستمرارية طويلة الأمد. يقول المناصير البالغ من العمر نحو 60 عامًا: "هي في الأصل شركة خاصة، أسستها وأملكها. كما أن الجيل القادم لم ينخرط بعد في العمل".
مع ذلك، يظل نقل الإدارة مطروحًا على المدى الطويل. يضيف: "سينضم ابني الكبير علي إلى المجموعة في العام المقبل. ولدي ابنان غيره لا يزالان صغيرين على العمل". كما أشار إلى أنه تجنب تولي أدوار خارجية للتركيز على قيادة نمو المجموعة: "التركيز هو الأهم. ركّز على تخصصك وأعمالك".
من النجاح المبكر في الخارج إلى العودة والبناء في الوطن، يرتبط تعريف المناصير للنجاح بالانضباط. ويؤكد على أهمية كل من "العمل الجاد، والمتابعة المستمرة، والصدق، والنزاهة". فيما تعكس نصيحته للمستثمرين الشباب النهج طويل الأمد ذاته: "لا ينبغي أن يتوقع الشباب نجاح المحاولة الأولى. عليهم التحلي بإرادة قوية، وأن يكونوا نشطين وملتزمين ومثابرين".
كما تنعكس هذه القناعة على نظرته إلى دورات الأعمال وتقلبات الأسواق. يوضح بقوله: "أؤمن بتنويع القطاعات، فليس من نشاط يظل مربحًا طوال الوقت. هناك دائمًا فترات من التغيرات الاقتصادية أو السياسية، أو أحداث غير متوقعة قد تؤثر على الأداء. وحيث يمكن للأرباح أن تتحول إلى خسائر، تتمثل المهارة الحقيقية في كيفية التعافي، وإعادة الأعمال إلى مسارها الصحيح".
بشكل عام، استمرت رحلة نجاح المناصير ونمو مجموعته بالصبر والقدرة على التكيف مع تغيرات ظروف السوق. يقول: "كل شيء في العالم يتطور، ولا شيء يبقى على حاله. لكن تبقي القدرة على التكيف ركيزة مهمة لنجاح الأعمال".



