نصف قرن على دخول القوات السورية إلى لبنان

بدأ التدخل العسكري السوري المباشر في لبنان في أواخر مايو/أيار 1976، بعد نحو عام على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، في سياق تصاعد القتال بين "الحركة الوطنية اللبنانية"، وهي تحالف ضم قوى يسارية وقومية وإسلامية مدعومة من فصائل فلسطينية مسلحة، و"الجبهة اللبنانية" التي ضمت أحزاباً وقوى مسيحية يمينية أبرزها حزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار.

وبررت دمشق تدخلها، في عهد الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، بالسعي إلى وقف الحرب ومنع انهيار لبنان واتساع الصراع. لكن التدخل جاء أيضاً بعد اتصالات وطلبات دعم من قوى لبنانية مسيحية كانت تتعرض لضغط عسكري كبير من خصومها في ذلك الوقت.

وفي مرحلته الأولى، وضع التدخل السوري القوات السورية عملياً في مواجهة فصائل فلسطينية وقوى من الحركة الوطنية اللبنانية، بعدما كانت دمشق قد دعمت في مراحل سابقة أطرافاً فلسطينية ولبنانية أخرى أو حاولت التأثير في مسار التسويات. ثم تبدلت تحالفات سوريا داخل لبنان لاحقاً أكثر من مرة، بحسب موازين القوى وحسابات دمشق الإقليمية والداخلية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1976، مُنح الوجود العسكري السوري غطاءً عربياً عبر "قوات الردع العربية" التي أُنشئت بقرار من جامعة الدول العربية، لكنها أصبحت عملياً ذات غالبية سورية.

واستمر الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان حتى عام 2005، حين سحبت دمشق قواتها بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وتحت ضغط احتجاجات لبنانية واسعة وقرار مجلس الأمن الدولي 1559. وأبلغت سوريا الأمم المتحدة في 26 أبريل/نيسان 2005 بأنها استكملت سحب قواتها ومعداتها وأجهزتها الاستخباراتية من لبنان.

 

حزب الله في سوريا

بعد اندلاع الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد في سوريا عام 2011، وتحولها لاحقاً إلى صراع مسلح، تدخل حزب الله عسكرياً دعماً لقوات النظام السوري في مواجهة فصائل المعارضة المسلحة وتنظيمات جهادية.

وقاتل الحزب إلى جانب القوات السورية في مناطق عدة، من ريف حمص والقصير قرب الحدود اللبنانية، وصولاً إلى حلب ومحيط دمشق ومناطق أخرى. وبدأ حزب الله الإقرار بدوره في سوريا تدريجياً، من الحديث عن حماية مقامات دينية شيعية وقرى حدودية، إلى تأمين الحدود اللبنانية، ثم الإعلان صراحةً عن مشاركته في معارك داخل سوريا. وخسر الحزب خلال تلك الحرب عدداً كبيراً من مقاتليه وقيادييه.

وفي مرحلة لاحقة، خاض حزب الله معارك ضد مسلحين سوريين على الحدود اللبنانية السورية، ولا سيما في جرود عرسال والقلمون.

وفي عام 2017، شن الجيش اللبناني، بقيادة العماد جوزاف عون آنذاك، عمليةً عسكريةً ضد تنظيم الدولة الإسلامية في جرود رأس بعلبك والقاع، في حين كان حزب الله والجيش السوري يخوضان عمليات على الجانب السوري ومناطق حدودية أخرى. وأكد الجيش اللبناني في حينه أنه لا ينسق عملياته مع حزب الله أو الجيش السوري.

ومع سقوط حكم الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تلقى حزب الله ضربةً استراتيجيةً بخسارة حليفه السوري وخط إمداد رئيسي عبر سوريا.

وقالت وكالة رويترز إن مقاتلي الحزب وقادته كانوا قد غادروا سوريا إلى حد كبير في أكتوبر/تشرين الأول 2024 للتركيز على الحرب مع إسرائيل في لبنان، وإن الحزب أرسل، مع تقدم فصائل المعارضة نحو دمشق، ضباطاً للإشراف على انسحاب من تبقى من مقاتليه هناك.

 

لماذا يبدو الوضع بين لبنان وسوريا أكثر تعقيداً؟

حذّر الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أندرو جيه تابلر، من أن تشجيع تدخل عسكري سوري في لبنان قد ينطوي على مخاطر كبيرة لكل من دمشق وواشنطن.

ورأى تابلر أن حكومةً لا تزال تعمل على بسط سيطرتها داخل سوريا ليست في وضع يسمح لها بفتح جبهات جديدة خارج حدودها.

وفند الباحث مجموعةً من العوامل التي تجعل أي تدخل سوري في لبنان محفوفاً بالمخاطر، قائلاً إن خطوةً كهذه قد تؤدي، أولاً، إلى تصعيد إقليمي أوسع، عبر جذب شبكات مدعومة من إيران في سوريا والعراق وخارجهما.

وثانياً، بحسب تابلر، قد يؤجج أي تدخل عسكري سوري التوترات الطائفية في لبنان والمنطقة. وكتب أن حزب الله سيحاول، على الأرجح، تصوير القوات السورية على أنها قوات من "الجهاديين السنة"، تضم مقاتلين سوريين وأوزبك وأويغور، تستهدف المجتمعات الشيعية، بما قد يعزز الالتفاف حول الحزب في بيئته الأساسية.

وثالثاً، رأى تابلر أن أي وجود عسكري سوري جديد قد يضعف شرعية الدولة اللبنانية، مرجحاً أن ينظر إليه كثيرون في لبنان باعتباره إكراهاً خارجياً لا دعماً للسيادة اللبنانية، بالنظر إلى تجربة الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان على مدى عقود خلال عهد الأسد.

وقال تابلر إن دمشق ركزت، في الأزمة الحالية، على منع انتقال تداعيات الصراع إلى داخل سوريا، من خلال تعزيز أمن الحدود والمراقبة والدوريات على الحدود مع لبنان والعراق، بدلاً من الاستعداد لعمليات عسكرية خارجية.

وأشار إلى أن الحكومة السورية تواجه، في الوقت نفسه، ضغوطاً داخلية متزايدة، من بينها اضطراب إمدادات الطاقة وتدفق أعداد كبيرة من السوريين من لبنان إلى سوريا، وسط تقارير عن عبور أكثر من 125 ألف شخص الحدود إلى سوريا، معظمهم من السوريين، بعد اتساع الحرب في لبنان.

أما في لبنان، فإن حديث الرئيس جوزاف عون عن عدم انجرار سوريا إلى "الوحول اللبنانية" يعكس، في جانب منه، تعقيد المشهد اللبناني نفسه: وضعاً سياسياً وأمنياً هشاً، واقتصاداً يرزح تحت أزمة حادة، وانقساماً سياسياً وطائفياً عميقاً حول سلاح حزب الله ودور الدولة.

ويزيد من تعقيد أي تصور لتدخل عسكري سوري أن المناطق اللبنانية المحاذية لسوريا ليست ذات لون سياسي أو طائفي واحد، ولا تقتصر على مناطق نفوذ حزب الله أو بيئته، بل تضم بلدات ومناطق ذات تركيبة اجتماعية ومذهبية متنوعة.

وشهدت الحدود اللبنانية السورية، منذ سقوط حكم الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، توترات أمنية متكررة بين قوات سورية وحزب الله أو مجموعات مرتبطة به، كان أبرزها في مارس/آذار، مع اتساع المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.

وفي تلك الفترة، أكد الشرع دعم سوريا لاستقرار لبنان وسلامته، ومساندة جهود الرئيس جوزاف عون لنزع سلاح حزب الله، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية ووسائل إعلام أخرى. وجاءت تصريحاته خلال اجتماع عبر تقنية الفيديو بدعوة من رئاسة المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، شارك فيه عدد من قادة دول المنطقة، لبحث التطورات العسكرية وسبل خفض التصعيد ودعم المسار الدبلوماسي.

وقال الشرع، في الاجتماع نفسه، إن سوريا نسقت موقفها مع دول في المنطقة، وعززت قواتها الدفاعية على الحدود "احترازياً" لمنع انتقال تداعيات الصراع إلى الأراضي السورية، ومكافحة التنظيمات العابرة للحدود، ومنعها من استخدام الأراضي السورية.

وفي المقابل، أصدرت تنسيقية تطلق على نفسها اسم "المقاومة الإسلامية في العراق"، في 11 مارس/آذار، بياناً حذّرت فيه الشرع من أي تحرك عسكري باتجاه لبنان، معتبرةً أن خطوةً كهذه ستكون "إعلان حرب على محور المقاومة"، بحسب ما نقلت وسائل إعلام لبنانية وعربية.

وخاطب البيان الجيش السوري بالقول: "إن تجرأتم على انتهاك سيادة لبنان وشعبه الصابر والمقاوم، فسنجعل من أرضكم ساحةً مفتوحةً للنار".