دفتر واحد.
مدينة واحدة.
وصبر طال أكثر مما ينبغي!
أنا ابن الزرقاء.
وأعرف أن لهذه المدينة ذاكرة لا تُجامل.
لا تحفظ الخطب.
تحفظ الوقائع.
لا تُصفّق للوعد.
تنتظر الدفعة.
فالزرقاء، في حسابات هذا الوطن، لم تكن يوماً طرفاً يطلب.
كانت طرفاً يُقرض.
أعطت عمّالها للمصانع قبل أن تستيقظ بقية المملكة.
وأعطت أبناءها للجيش والأجهزة الأمنية في كل موقع احتاج إلى الرجال.
ولسنوات طويلة، كانت تدفع في صندوق الوطن أكثر مما تسحب منه!
وحملت من أعباء الدولة ما يكفي ليُكتب اسمها في صفحة الدائنين لا المدينين.
هذا دَين لا تُصدره خزينة.
لكنه محفوظ في ذاكرة الأوطان التي لا تنسى من أقرضها بصمت!
وحين جاء الدكتور جعفر حسّان إلى الزرقاء أمس، لم يأتِ لزيارة بروتوكولية عابرة.
جاء كمن يفتح الدفتر القديم.
ليرى أين توقف آخر سداد.
فوجد رقماً:
ثمانمئة مليون دينار.
ثلاث سنوات.
ومئة وخمسة وخمسون مشروعاً.
لكن الأرقام وحدها لا تسدد ديناً قديماً.
فالديون لا تُقاس بالأرقام، بل بما تشتريه من راحة بال وأمن وأمان لأصحابها.
مستشفى الأمير فيصل ليس بنداً في جدول.
إنه دفعة مستحقة لمريض ظل ينتظر سريراً لم يأتِ!
والمدارس الجديدة ليست إسمنتاً.
إنها سداد متأخر لطفل ضاق به مقعده وضاق برفاقه.
وتوسعة الباص نحو الجامعة الهاشمية ليست خط نقل.
إنها اعتذار مؤجل لطالب دفع من عمره أكثر مما يستحق الطريق!
أما المدينة الصناعية الجديدة، فهي الفصل الأهم في هذا الحساب.
لأن الصناعة في الزرقاء ليست قطاعاً اقتصادياً يُقيَّم بالأرباح.
إنها اسم العائلة.
الاسم الذي لا يُمحى.
وحين يصلها الغاز الطبيعي، وتُفتح أبوابها للمستثمرين، فإن الدولة لا تمنحها هدية.
هي تعيد فتح خط ائتمان طال إغلاقه!
ولم يكن الحديث كله عن ديون التنمية.
كان هناك دَين آخر.
أثقل وأعمق.
حين أعلن رئيس الوزراء التوجه لتعديل القانون لتطبيق الإعدام على كبار تجار ومهربي المخدرات المرتبطين بعصابات خارج الحدود، لم يكن ذلك بنداً في موازنة.
كانت تسوية حساب.
تسوية مع من حاول اقتطاع شيء من رصيد أمن المجتمع دون إذن.
ومن يمد يده على رجال الأمن والجيش، إنما يقترض من هيبة الدولة ديناً لا تقبل الدولة سداده إلا بثمن واحد!
لكن الزرقاء تعرف شيئاً لا تعرفه الأرقام.
تعرف أن الأمن لا يضعف دفعة واحدة.
وأن الثغرات الصغيرة إذا تُركت تكبر.
وفي ذاكرتها ما يكفي من الجراح لتفهم ذلك جيداً.
فالفتى الذي هزّت قصته الأردن كله، صار اليوم شاباً يمشي بما تبقّى له، وما زال ينتظر أن تُغلق الصفحة كلها، لا أن يُطوى بعضها فقط.
والمشكلة لم تكن يوماً في العقوبة المكتوبة.
كانت في المسافة التي تفصل بينها وبين الجريمة.
حين تطول تلك المسافة تتحول الثغرة إلى طريق.
ويتحول الطريق إلى شارع.
ثم إلى عالم موازٍ يظن أصحابه أن الدولة لن تصل إليه.
وهنا يبدأ الخلل!
وهنا، بالضبط، تكبر الزرقاء عن حدودها على الخريطة.
فالدفتر الذي فُتح في هذه المحافظة ليس دفتر الزرقاء وحدها.
إنه نسخة مصغّرة من دفتر الأردن كله.
والمملكة تتحدث باللغة الحازمة ذاتها مع كل من يحاول استدانة استقرارها، من بوابة التهريب أو من بوابة الحدود، في إقليم لا يرحم من يُظهر ثغرة في حسابه!
لكن أبناء الزرقاء يعرفون شيئاً واحداً عن الدائنين الصبورين:
أنهم لا ينسون!
فالمدينة سمعت وعوداً كثيرة عبر السنين.
وتعلّمت أن تفرّق بين الوعد والدفعة الفعلية.
هي لا تقيّد في دفترها الكلام.
بل ما يتحول إلى مدرسة قائمة.
ومستشفى يستقبل المرضى.
ومصنع يشغّل عاملاً كان بلا عمل.
فالدائن الصبور لا يطلب معروفاً...
هو فقط ينتظر أن يرى القسط الأول وقد وصل!



