*
الجمعة: 19 حزيران 2026
  • 18 حزيران 2026
  • 22:06
تحليل كيف أضعف ترمب وزارة الخارجية الأمريكية خلال حرب إيران

خبرني - مرّ أكثر من مئة يوم على اندلاع حرب كان يُفترض أن تستمر بضعة أيام فقط؛ حرب أظهرت خلال الأسابيع الأخيرة، مع تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، أن وقف إطلاق النار لم يكن نهاية للحرب بقدر ما كان اسماً مؤقتاً لوضع هش وقابل للانفجار. لكن الولايات المتحدة وإيران أعلنتا الآن انتهاء الحرب بعد توقيع مذكرة تفاهم، وهي خطوة قد تشكّل، إذا نُفذت واستقرت، أول تحرك جدي لإخراج المنطقة من أزمة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر.

وعلى الرغم من إعلان الاتفاق، لا تزال السفن الحربية الأمريكية موجودة في الخليج، كما لم تتبدد بالكامل أجواء انعدام الثقة بين الأطراف. وخلال الأسابيع الماضية، تبادلت إيران وإسرائيل مراراً الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار، ولا يزال من غير الواضح كيف ستعمل آلية مراقبة تنفيذ مذكرة التفاهم.

وبعد أشهر من الجمود والحرب وتصاعد التوتر، قد يمثّل الاتفاق الجديد نقطة تحوّل في الحرب. إلا أن كثيراً من المحللين لا يزالون ينظرون بحذر إلى فرص استمراره، في ضوء تاريخ دونالد ترامب في تبنّي مواقف متقلبة وغير قابلة للتنبؤ أحياناً.

لم تكن المفاوضات مع الجمهورية الإسلامية سهلة على الغرب في أي وقت، لكن عدداً من الدبلوماسيين المخضرمين الذين تحدثوا إلى بي بي سي فارسي يقولون إن جهاز الدبلوماسية الأمريكية هو الذي جعل المهمة هذه المرة أكثر صعوبة منذ البداية، ووضع اقتصاد المنطقة والعالم وأمنهما في مواجهة أزمة خطيرة.

ويقول هؤلاء الدبلوماسيون إن إدارة الأزمة لم تجرِ كما ينبغي، ليس فقط بسبب سلوك طهران، بل أيضاً بسبب شغور مناصب السفراء الأمريكيين في منطقة الخليج، وغياب الدبلوماسيين ذوي الخبرة، وما تصفه بعض المصادر في وزارة الخارجية الأمريكية بأنه "مناخ من الخوف والصمت".

وعلى الرغم من أن مذكرة التفاهم تنهي الحرب، فإن تجربة الأشهر الماضية أظهرت أن أي رسالة يُساء فهمها، أو فرصة تُهدر، أو خطأ في الحسابات، يمكن أن يؤدي إلى تصعيد الأزمة بسرعة في منطقة شديدة التوتر.

وبحسب نظام تتبّع تعيينات السفراء التابع لرابطة موظفي السلك الدبلوماسي الأمريكي، لا يزال أكثر من نصف سفارات الولايات المتحدة البالغ عددها 195 سفارة حول العالم من دون سفير، رغم مرور عام ونصف على تولي دونالد ترامب الرئاسة.

وقرر دونالد ترامب خوض الحرب في خضم المفاوضات الدبلوماسية مع طهران، في وقت لم يكن لدى الولايات المتحدة سفراء إلا في دولتين فقط من بين سبع دول مجاورة لإيران، هما تركيا والبحرين. أما مناصب السفراء الأمريكيين في الكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة والعراق فكانت شاغرة، ما وضع قادة هذه الدول أمام وضع غير مسبوق في محاولاتهم للتواصل مع واشنطن.

وكانت هذه الدول معرضة للنيران الإيرانية، لكنها اضطرت، لإيصال رسائلها إلى واشنطن، إما إلى الاعتماد على قنوات غير معتادة ودبلوماسية شخصية، أو إلى التعامل عبر دبلوماسيين أمريكيين أقل خبرة. وحتى باكستان، التي تتولى حالياً دور الوساطة في المفاوضات مع إيران، لا يوجد فيها سفير أمريكي.

يرى كثير من المنتقدين أن الاتفاق النهائي لا يبدد المخاوف بشأن الطريقة التي أُديرت بها الحرب خلال الأشهر الأخيرة.

وقال جون دينكلمان، رئيس رابطة موظفي السلك الدبلوماسي الأمريكي، لبي بي سي فارسي: "في أوقات الأزمات، لا يقتصر دور السفير على نقل الرسائل، بل يشمل أيضاً اتخاذ القرارات، وإطلاق التحذيرات، وحتى إدارة المخاطر التي قد تهدد حياة الموظفين.

فعندما تقول وزارة الدفاع الأمريكية إنها تريد شن هجوم، كان السفير الجيد، لو كان موجوداً، سيقول: أَجلوا موظفي، لأننا على وشك أن نتحول إلى منطقة حرب.

لكننا، بدعوى عدم الكشف عن العملية، أبقينا الجميع في أماكنهم. وعندما يكون أسطول عسكري ضخم متمركزاً قبالة الساحل مباشرة ومستعداً للهجوم، يصبح إخفاء حقيقة أننا على شفا حرب أمراً مثيراً للسخرية".

دبلوماسية بلا دبلوماسيين؟
 

من مكتبه المطل على مقر وزارة الخارجية الأمريكية، وصف جون دينكلمان مستقبل الجهاز الدبلوماسي الأمريكي بأنه يشبه "حادث قطار لا يمكنك أن تصرف نظرك عنه؛ إذ تصطدم العربات بعضها ببعض، واحدة تلو الأخرى، وتتحطم".

وعلى الجانب الآخر من الشارع، ظلت وزارة الخارجية الأمريكية لعقود المركز الفكري لدبلوماسية أقوى دولة في العالم. لكن دينكلمان، وهو دبلوماسي أمريكي مخضرم، يرى أن مستقبل الدبلوماسية الأمريكية لا يبدو مشرقاً إذا استمر المسار الحالي.

وفي مثل هذا المستقبل، لن يعود حلفاء الولايات المتحدة التقليديون مصطفّين بقوة إلى جانبها، كما ستضعف التحالفات التي بُنيت وتعززت على مدى عقود، وأسهمت في تحويل الولايات المتحدة إلى قوة عالمية، وتفقد ثقلها السابق. وعندما يتزامن ذلك مع حرب إقليمية واسعة النطاق، تتشكل صورة تثير القلق.

وقال دينكلمان: "هذا الوضع بالغ الخطورة، وهو يُدخلنا في حقبة مختلفة. وبمجرد ترسخ هذه الظروف، أعتقد أن استعادة ثقة الحلفاء ستكون بالغة الصعوبة بالنسبة إلى الولايات المتحدة".

ويقول منتقدو إدارة ترامب إن المشكلة تتجاوز شغور السفارات.

إذ تشير تقارير إلى إقالة أو مغادرة مئات من موظفي السلك الدبلوماسي، وإلى ازدياد الطابع السياسي لعملية التعيينات، وتراجع حاد في فرص تقدم الدبلوماسيين المهنيين. ويرون أن النتيجة هي وزارة خارجية لم تصبح أصغر حجماً فحسب، بل أكثر حذراً وصمتاً وأقل تأثيراً أيضاً.

وبحسب وكالة رويترز، أُقيل نحو ثلاثة آلاف موظف في وزارة الخارجية أو قبلوا عروضاً مالية لمغادرة وظائفهم، منذ بداية الولاية الثانية لدونالد ترامب في يناير/كانون الثاني 2025.

في ديسمبر/كانون الأول وحده، اتخذ وزير الخارجية ماركو روبيو خطوة غير مسبوقة باستدعاء 30 سفيراً أمريكياً إلى واشنطن.

ومن وجهة نظر البيت الأبيض، فإن ما يصفه المنتقدون بأنه (تطهير سياسي) و(تفريغ لوزارة الخارجية من خبراتها) ليس سوى تصحيح لمسار جعل الوزارة مؤسسة مترهلة وبطيئة و"مفرطة في التسييس".

ويقول مؤيدو الإدارة إن من حق الرئيس أن يقرر من يمثل الولايات المتحدة في الخارج. ويرون أن استبدال بعض الدبلوماسيين ذوي الخبرة بشخصيات أقرب إلى شعار "أمريكا أولاً" هو محاولة للاستجابة لمطالب ناخبي ترامب، فيما أسهم تقليص عدد الموظفين، بحسب رأيهم، في اختصار سلسلة اتخاذ القرار وإزالة "العراقيل البيروقراطية".

في المقابل، قالت مارغريت ماكميلان، أستاذة التاريخ الدولي في جامعة أكسفورد، لرويترز إن إدارة ترامب تقوّض قدرة الولايات المتحدة على فهم العالم، ما يزيد خطر الاضطراب العالمي. وأضافت أن هذا النهج يعني أنه «لن يعود بإمكاننا استخدام الدبلوماسية كما في السابق لبناء العلاقات، والتوصل إلى اتفاقات تحقق منفعة متبادلة، ومنع الحروب أو إنهائها».

وقال مايكل راتني، وهو دبلوماسي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في صميم أبرز المبادرات الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط، لبي بي سي فارسي إن هذا الوضع جزء من مسار أوسع:" نحن في وضع غريب لا تعتمد فيه الإدارة على السفراء. بل تستخدم قنواتها الخاصة، التي تقتصر عادة على دائرة صغيرة مقربة من الرئيس، تضم أشخاصاً لا يملكون بالضرورة خلفيات دبلوماسية، لكن لديهم وصول مباشر إلى دوائر صنع القرار".

قبل أن يتولى راتني منصبه الأخير سفيراً للولايات المتحدة لدى السعودية في عهد جو بايدن، شغل منصب القائم بالأعمال في إسرائيل، وسبق أن عمل مبعوثاً أمريكياً خاصاً إلى سوريا، حيث أدار العلاقات مع جماعات المعارضة السورية.

ويتحدث راتني العربية بطلاقة، وهو من بين الدبلوماسيين الذين كان يمكن، في الظروف المعتادة، أن يواصلوا العمل في وزارة الخارجية لعقد أو عقدين آخرين. لكن ذلك لم يحدث.

وعندما تولى دونالد ترامب الرئاسة، قدم راتني استقالته وفق الأعراف المتبعة في واشنطن، لإتاحة المجال أمام الرئيس لاتخاذ قرار بشأن استبداله أو الإبقاء عليه. وقَبِل ترامب الاستقالة، لتنتهي بذلك مسيرة راتني الدبلوماسية قبل الموعد المتوقع.

ويقول راتني إن أكبر مخاوفه يتعلق بمستقبل الولايات المتحدة في أوقات الأزمات:

"لو اندلعت حرب مع الصين، فليكن الله في عوننا. في المفاوضات الحساسة، يُعد الاستعداد أمراً حيوياً. يجب أن تمتلك قدراً من المعلومات والتحليلات والخيارات والمستشارين يوازي ما يمتلكه الطرف المقابل، حتى تتمكن من فهم الرسائل على نحو صحيح. وهذا الاستعداد غير موجود الآن. نحن نرتجل على طاولة المفاوضات، ونتفاوض مع إيران، وهو أمر تترتب عليه تداعيات هائلة، من بينها تداعيات على الاقتصاد العالمي".

أين يكمن مفتاح فهم تفكير الرئيس الأمريكي؟
 

خلال الأشهر الأخيرة، أُسند جانب كبير من الدبلوماسية الأمريكية المتعلقة بإيران إلى شخصيتين أصبحتا رمزاً لما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية بلا دبلوماسيين": ستيف ويتكوف، رجل الأعمال المخضرم في قطاع العقارات وصديق ترامب منذ عقود، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس، الذي يؤدي في الوقت نفسه دور كبير المفاوضين في ملفات إيران وأوكرانيا وغزة.

وفي كل مكان تقريباً شهد مفاوضات "كبرى"- من الاجتماعات غير العلنية مع حركة حماس إلى اللقاءات المنفصلة مع فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي والمفاوضين الإيرانيين -كان اسما كوشنر وويتكوف حاضرين.

وعزّز وجودهما المستمر على أكثر طاولات التفاوض حساسية الانطباع بأن رجلي الأعمال القادمين من قطاع العقارات في نيويورك، واللذين أصبحا شخصيتين محوريتين في "مجلس السلام" غير الرسمي التابع لترامب، تحولا فعلياً إلى العمود الفقري لمشروع يهدف إلى ترسيخ إرث الرئيس بوصفه زعيماً حقق "السلام".

ومع ذلك، لم يؤد توقيع مذكرة التفاهم إلى إنهاء الجدل بشأن مدى فاعلية هذا النموذج الدبلوماسي.

دخل كوشنر وويتكوف المفاوضات من دون دعم كبير من خبراء الشؤون النووية أو المختصين بإيران في وزارة الخارجية. وتعرض فهم الفريق الأمريكي للجوانب الفنية من البرنامج النووي الإيراني لتساؤلات متكررة، فيما ضاعت فرص كان من الممكن أن تقود في وقت أبكر إلى اتفاق جديد وتمنع اندلاع الصراع.

وقبيل اندلاع الحرب مباشرة، وبعد محادثات جنيف، زار وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي واشنطن. وكان البوسعيدي قد تولى الوساطة في المحادثات بين إيران من جهة، وكوشنر وويتكوف من جهة أخرى.

وبعد لقائه نائب الرئيس الأمريكي، تحدث إلى وسائل إعلام أمريكية عن الأسباب التي جعلته يعتقد أن فرص التوصل إلى اتفاق كانت مرتفعة للغاية. ومع ذلك، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران في اليوم التالي مباشرة.

ولا تُعد ممارسة ترامب المتمثلة في إرسال المقربين منه مبعوثين أمراً غير مسبوق. فقد عرف التاريخ قادة كثيرين أرسلوا أفراداً من عائلاتهم تعبيراً عن الثقة والالتزام. وفي الولايات المتحدة، تشمل الأمثلة فرانكلين روزفلت، الذي أرسل زوجته إليانور في مهمة دبلوماسية إلى بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وجون آدامز، ثاني رؤساء الولايات المتحدة، الذي أرسل ابنه جون كوينسي سفيراً إلى بروسيا.

ويقول جون دينكلمان: "المشكلة، ولا سيما خلال الأشهر الثلاثة الماضية منذ اندلاع الحرب مع إيران، لا تكمن في أسلوب الرئيس المتمثل في إرسال أشخاص مقربين منه. المشكلة هي أن الدبلوماسيين المحترفين جرى تهميشهم، وأصبحوا يكتفون باتباع القرارات التي تُتخذ في القمة.

لقد أخلينا ملعب كرة القدم من أفضل لاعبينا، ولم نعد نخوض المباراة بفريق مكتمل؛ إما لأننا أَقلنا هؤلاء اللاعبين، أو لأننا أخفناهم إلى درجة لم يعودوا معها قادرين على أداء أدوارهم بفاعلية. ونتيجة لذلك، يتابع ملايين الأمريكيين هذا الوضع بقلق، ليس تعاطفاً مع طهران، بل لأننا لا نفعل شيئاً فعالاً لتغيير النتيجة".

ويؤكد مايكل راتني أيضاً أنه، على الرغم من أن هذا النموذج قد يبدو أسرع، فإنه يزيل عنصراً أساسياً، قائلاً: "تحتاج كل حكومة أجنبية تقريباً، عندما تجد نفسها في قلب أزمة، إلى قنوات اتصال متعددة. ولذلك، فإن قيام شخص مقرب من الرئيس بدور الوسيط على مستوى رفيع لا يعني أن هذا الشخص مسؤول عن كل جوانب الاتصال بين حكومتين.

وكون ستيف ويتكوف أو جاريد كوشنر وسيطين لا يعني أن السعوديين يستطيعون الاتصال بهما في أي وقت من النهار أو الليل، أو أنهما في موقع يسمح لهما بالإجابة عن كل سؤال يمكن توجيهه إلى سفير.

من وجهة نظر أي حكومة أجنبية، يسبب ذلك إحباطاً كبيراً.

فإذا لم يكن هناك سفير، أو إذا شعرت الحكومة بأن السفير قد جرى تهميشه في القضايا الحساسة، فلن تعرف إلى من تلجأ للحصول على المعلومات أو التوضيحات أو لنقل الرسائل، وهي رسائل قد تكون بالغة الأهمية".

وظهر مثال على هذا الارتباك بشأن الرسائل الحيوية خلال الحرب، عندما أصدر دونالد ترامب، في السابع من أبريل/نيسان، أحد أشد تحذيراته لإيران، قائلاً إنه إذا لم توافق طهران على اتفاق، فإن "حضارة بأكملها ستموت ولن تعود أبداً".

ونقلت وكالة رويترز عن دبلوماسي أوروبي في واشنطن قوله إن السؤال العاجل الذي طُرح في عاصمة بلاده، عقب هذا التهديد المثير للقلق، كان ما إذا كان ترامب يفكر جدياً في استخدام الأسلحة النووية.

وبحسب الدبلوماسي، لم يقتصر القلق في أوروبا وآسيا على مدى جدية الرئيس، بل شمل أيضاً احتمال أن تستغل موسكو الوضع وتطلق تهديداً مماثلاً في أوكرانيا، بما قد يدفع العالم نحو أزمة نووية على جبهتين.

تقول رويترز إنه في هذه الأجواء شديدة التوتر، لجأت الحكومات الأوروبية، كالمعتاد، إلى وزارة الخارجية الأمريكية عبر القنوات الدبلوماسية بحثاً عن إجابات، لكنها تلقت رداً أكثر إثارة للقلق: فالدبلوماسيون الأمريكيون في واشنطن أنفسهم لم يكونوا يفهمون بشكل كامل ما الذي قصده الرئيس، ولا إلى أي إجراءات يمكن أن تقود تصريحاته.

ووُصف هذا الوضع بأنه انقطاع غير مسبوق في عمل الدبلوماسية الأمريكية خلال زمن الحرب.

تضخم بيروقراطي أم تآكل هيكلي؟
 

نُفذ جانب كبير من تقليص أعداد الموظفين وعمليات الإقصاء في وزارة الخارجية تحت شعار رفع الكفاءة والتصدي لما وصفه ماركو روبيو بأنه "تضخم بيروقراطي متشابك مع أيديولوجيا سياسية".

وجرى تهميش من لا ينسجمون مع سياسات الإدارة.

وامتد اتجاه مماثل إلى مجلس الأمن القومي، الذي ظل طويلاً مركز تنسيق سياسات الشؤون الخارجية والدفاع داخل البيت الأبيض. وعقب موجات من الإقالات، تقلص عدد موظفيه من عدة مئات إلى بضع عشرات، ما أضعف سلسلة الاتصالات المعتادة بين البيت الأبيض والسفارات.

وقال مسؤولون دافعوا عن هذه التغييرات مراراً إن السفارات لا تزال تضم "عدداً كافياً من الموظفين" حتى في غياب السفراء. ويرون أن الاستعانة بمبعوثين خاصين وبقنوات اتصال مباشرة مع الدائرة المقربة من ترامب تمثل ميزة في إدارة الأزمات، بحجة أن هذا المسار أقصر وأكثر فاعلية في اللحظات الحرجة.

وطلبت بي بي سي فارسي، لإعداد هذا التقرير، من وزارة الخارجية الأمريكية توضيح موقفها الرسمي من العدد الكبير لمناصب السفراء الشاغرة، وإقالة الموظفين أو تقديم عروض مالية لهم لمغادرة وظائفهم، والادعاءات المتعلقة بوجود "ثقافة ترهيب" داخل الوزارة، لكنها لم تتلق رداً حتى وقت النشر.

وقال عدد من المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين لوكالة رويترز إن الاجتماعات الدورية للمجلس لم تُعقد لأشهر، وإنه كان هناك عملياً حظر غير مكتوب على اجتماعات التنسيق بين الوكالات بشأن الأمن القومي والسياسة الخارجية. ويقول البيت الأبيض إن الاجتماعات استمرت، ولكن على نطاق أضيق، واقتصرت على أولويات الرئيس.

وأمضى ماركو روبيو، الذي يجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، سنوات في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، ولذلك فمن المستبعد أن يكون غير مدرك لأهمية الخبرة في العمل الدبلوماسي. لكن منتقدين يقولون إن مناخ الترهيب الذي أعقب عمليات الإقصاء السياسي جعل الدبلوماسيين أكثر انشغالاً بما قد يلحق بوظائفهم من عواقب من انشغالهم بالمصالح الوطنية.

ويقول جون دينكلمان: "على الرغم من أنني لا أدافع عادة عن وزير الخارجية، فإن عليّ القول إننا لم نشهد منذ هنري كيسنجر أن يجمع شخص واحد بين المنصبين. وربما يكون من الطبيعي أن يحظى الأمن القومي باهتمام أكبر من العلاقات الخارجية، لكن المشكلة تكمن في مكان آخر.

تضمن بنية واشنطن عادة أنه في المؤسسات الكبيرة مثل وزارة الخارجية، توجد في المستويات الإدارية الثانية والثالثة، إن لم يكن الرابع والخامس والسادس، شخصيات قادرة على التدخل بأقل قدر من الاضطراب إذا غاب القائد، لأنها محترفة، وتفهم هواجس الموظفين، وتعرف الملفات.

وهُنا تحديداً تبدأ المشكلة.

تعاني الإدارة والقيادة في وزارة الخارجية الحالية مشكلات عميقة. فبدلاً من أن يشعر الموظفون بأن المؤسسة تدعمهم، يخشى الجميع أن يكونوا التاليين في الإقالة. وهيمنة الخوف تصيب العمل بالشلل، وتضر بمصالحنا الوطنية وبالبعد الدبلوماسي من قوتنا الوطنية".

ويضيف مايكل راتني أنه رغم مسؤولية وزير الخارجية عن السياسات التي تنفذها الوزارة، فإن "هذا النهج في قضايا مثل إيران أو أوكرانيا يُملى من البيت الأبيض. ولا أعتقد أن روبيو يؤدي دوراً كبيراً. وبدلاً من ذلك، يحاول الناس معرفة ما يريده الرئيس ثم يتصرفون على هذا الأساس.

وهذا يعني عدم وجود عملية متماسكة لصنع السياسات، وهو ضعف كبير في العمل الدبلوماسي. فلا توجد عملية يقول فيها أحد: هذه هي المعلومات التي تلقيناها من الإيرانيين أو السعوديين أو الإسرائيليين، وهذا ما تعنيه، وهذه هي الخيارات المتاحة أمامنا. ونادراً ما يحدث ذلك.

وبدلاً من ذلك، يعتمد الأمر على أن يكون شخص ما قد اتصل برئيس وزراء وتبادل معه بعض العبارات، ثم يقرر الرئيس ما الذي ينبغي فعله. والعملية التي تُدخل الخبرات عادة في صنع القرار غير موجودة فعلياً. وعندما تضعف الأداة الدبلوماسية، لا يبقى سوى الأداة العسكرية".

وقد تنهي مذكرة التفاهم الأخيرة الحرب، لكن السؤال الرئيسي لا يزال قائماً: هل تستطيع الولايات المتحدة، بجهاز دبلوماسي يراه كثيرون ضعيفاً، إدارة الأزمات المقبلة مع الحفاظ على وقوف حلفائها إلى جانبها؟

ويقول منتقدون إن الثمن الذي دُفع للوصول إلى الاتفاق مع إيران يمثل في حد ذاته مؤشراً على تآكل القدرة الدبلوماسية لواشنطن.

 

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك