*
الخميس: 18 حزيران 2026
  • 17 حزيران 2026
  • 22:11
وداعًا رفحاء
الكاتب: محمود عبد العزيز العايد

ليس من السهولة بمكان أن تقضي الفترة الذهبية من عمرك في مكانٍ ما ثم تغادره دون أن تهتز مشاعرك، وتبكي جوارحك، وتدمع عيونك؛ فالانتماء للمكان لا يكون بالجدران والأبنية، وإنما بالذكريات التي سكنت القلب، والوجوه التي شاركتنا تفاصيل الأيام، والمواقف التي صنعتنا.

ولهذا يكون الوداع مؤلمًا حين تحين ساعة الصفر فيه؛ لأننا لا نفارق مكانًا فحسب، بل نفارق جزءًا من أعمارنا ترك في أرواحنا أثرًا لا يُمحى، وفي ذاكرتنا مواقف لا تُنسى.

ستبقى رفحاء عالقةً في الذاكرة ما بقي في الروح نَفَسٌ يتردد، وفي القلب نبضٌ يخفق؛ فبعض الأماكن تتحول من بقاعٍ على الخريطة إلى أوطانٍ صغيرة تسكن الروح إلى الأبد، ورفحاء واحدةٌ من تلك الأماكن التي سكنت القلب، واستهوت الروح، واستوطنت الوجدان كما عمان والقدس.

أمضيت فيها سنواتٍ من عمري كانت جميلةً بأهلها الطيبين، الذين ما رأيت منهم إلا كل خير، ولا لمست منهم إلا خلقًا كريمًا ونبلًا عظيمًا يدل على أصالة معدنهم، وقد قطعت على نفسي عهدًا أن أدافع عن كل صورةٍ جميلة عرفتها فيها، وأن أردّ عن أهلها كل حكايةٍ تحط من قدرهم أو تشوه صورتهم وفاءً لما رأيته منهم من حسن الخلق، وطيب المعشر، وصدق المودة.

وبعد عقدٍ من الزمن قضيته بين ربوعها معلِّمًا لأبنائها، أخطأت في مواضع، وأصبت في أخرى، وأسأل الله أن أكون قد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، وتركت أثرًا طيبًا في نفس كل طالبٍ علمته حرفًا أو غرست فيه قيمة أو أسدلتُ له ولوالديه نصيحة.

واليوم أغادر رفحاء وقلبي معلَّق بها، أكاد أعجز عن إقناع نفسي بأن ساعة الرحيل قد حانت. أغادرها وفي داخلي يقينٌ بأن بعض الوداع لا يكون وداعًا كاملًا؛ لأن الأماكن التي أحببناها حقًا لا نغادرها بل نحملها معنا أينما ذهبنا، فكم من طريقٍ سأسلكه، وستجول رفحاء في خاطري؟ وكم من مجلسٍ سأجلسه، وستمر ذكرياتها أمام عيني؟ وكم من موقفٍ سيعيد إلى ذهني وجوهًا كريمة، وأيامًا جميلة عشتها بين أهلها الطيبين؟

لقد غادرتها جسدًا أما الروح فقد بقيت فيها تتجول في الأزقة التي ألفتها، وتصافح الوجوه التي أحبتها، وتستعيد تفاصيل أيامٍ كانت من أجمل ما مرّ في العمر، وإن كانت الأقدار قد كتبت الرحيل، فإن المحبة لا ترحل، والذكريات لا تغادر، والوفاء يبقى ما بقي القلب ينبض، والروح ترفرف.

سلامٌ عليكِ يا رفحاء في الأولين والآخرين .. سلامٌ على طلابك الغر الميامين .. سلامٌ على معلميكِ الصادقين المخلصين .. سلامٌ على أهلك الطيبين الطاهرين .. سلامَ المحب الذي يرحل بقدميه ويبقى بقلبه، ويغادر بمكانه، وتظل روحه معلقةً في سمائك، ممتنةً لأهلك، وفيةً لأيامك، داعيةً لكِ بكل خيرٍ وجميل.

سامحونا يا أهل رفحاء الكرام، واستروا ما رأيتم منا، واذكرونا بدعواتكم في خلواتكم وصلواتكم؛ فما كان بيننا من مودةٍ ووفاءٍ أكبر من أن تفرقه المسافات أو تمحوه الأيام ..
 

  

مواضيع قد تعجبك