*
الاثنين: 15 حزيران 2026
  • 15 حزيران 2026
  • 15:40
مراهنات كرة القدم في العالم العربي إقبال كثيف وسوق رائجة رغم الحظر
أحد مواقع المراهنات الأوسع انتشاراً بين المستخدمين في مصر

خبرني - "لم أكن أتوقع أن أُختطف بسبب هذه اللعبة".

هكذا وصف محمد (اسم مستعار) اللحظة التي قرر فيها التوقف عن المراهنات الرياضية عبر الإنترنت، بعد تجربة بدأت بفضول عابر وانتهت بخسارة مدخرات حياته وهروبه بسبب الديون.

أما فادي، وهو مراهن آخر فضّل عدم ذكر اسمه الحقيقي أيضاً، فتوقف عن المراهنة عندما وصلت خسائره إلى مليون جنيه مصري (20 نحو ألف دولار أمريكي) بعد ثلاث سنوات من استخدام أحد تطبيقات المراهنات الشهيرة.

وتحدثت بي بي سي إلى الشخصين المصريين واللذين اشترطا إخفاء هويتهما.

 

ديون فاختطاف

كانت قصة محمد الأكثر درامية، إذ تعرّف الشاب المصري إلى المراهنات الرياضية أثناء عمله في السعودية عام 2020، وقاده الفضول إلى تجربتها.

يقول: "كنت أظنها مجرد لعبة للتسلية، راهنت لأول مرة بمبلغ 10 آلاف ريال سعودي، قيمة راتبي في شهرين. كنت متأكداً من فوز الفريق الذي راهنت عليه، وعندما ربحت 20 ألف ريال شعرت أن الأمر سهل، وقلت لنفسي إنني سأربح مجدداً".

كانت تلك بداية سنوات من المراهنات خسر خلالها كل مدخراته التي جمعها من العمل في السعودية، ثم بدأ باستغلال أموال مصريين آخرين راغبين في السفر للعمل في الدولة الخليجية.

ويضيف: "كنت آخذ أموال بعض الأشخاص الراغبين في السفر من مصر، ثم أستخدمها في المراهنات، حتى تراكمت عليَّ الديون وانقلبت حياتي رأساً على عقب".

ويقول محمد إن الدائنين قاموا "باختطافه" لإجباره على التوقيع على "إيصالات أمانة" بالمبالغ التي أخذها، وهي وثائق قانونية تضمن رد أموال من مدين إلى دائن، وإلا تعرّض المدين لعقوبة قانونية قد تصل إلى الحبس.

ويتابع: "وبالفعل تم إلقاء القبض عليّ وأمضيت في السجن 28 يوماً، كانت من أتعس أيام حياتي".

ومنذ خروجه من السجن قبل عامين، يعيش محمد في مكان غير معلوم بعيداً عن أسرته هرباً من الدائنين.

 

تباين المواقف القانونية

لا يوجد موقف قانوني موحد من المراهنات الرياضية في العالم العربي.

ففي مصر والسعودية والكويت وقطر تُحظر المراهنات الرياضية بشكل عام، بينما تسمح دول أخرى بأشكال مختلفة من الألعاب أو الرهانات المنظمة.

ويرى الدكتور محفوظ عمارة، أستاذ علوم الرياضة بجامعة قطر، أن هذا الاختلاف يعود إلى عوامل ثقافية وقانونية وتاريخية بين الدول العربية.

ويقول: "إن بعض الدول العربية تعتبر الرهانات غير قانونية بحكم تطبيق الشريعة أو الاعتبارات الثقافية، بينما تحاول دول أخرى التعامل معها ضمن أطر قانونية وتنظيمية".

في السنوات الأخيرة، اتجهت بعض الدول إلى مراجعة أطرها القانونية المنظمة لقطاع الألعاب والرهانات، حيث حذفت الإمارات على سبيل المثال المواد الخاصة بحظر القمار والرهان من القانون، واستبدلتها بإطار تنظيمي يمنح عقوداً مرخصة من "الهيئة العامة لتنظيم الألعاب التجارية" التي تأسست عام 2023.

 

الالتفاف على المنع

في مصر، تُجرَّم المراهنات قانوناً، لكن التحدي الأكبر يتمثل في أن غالبية تطبيقات ومواقع المراهنات تعمل من خارج البلاد، ما يجعل الوصول إليها ممكناً عبر الإنترنت رغم الحظر.

وهو ما أكده فادي، أحد مستخدمي تلك المواقع، الذي تحدث إلى بي بي سي بشرط عدم الكشف عن هويته.

يقول فادي، بينما كان يتصفح أحد مواقع المراهنات على هاتفه المحمول: "هذه المواقع متاحة وبسهولة، يمكن لأي شخص الوصول إليها بمجرد البحث، وهي منتشرة بصورة غير مسبوقة".

وأضاف أن إنشاء الحسابات وإيداع وسحب الأموال يمكن أن يتم خلال دقائق، موضحاً أن "عمليات الإيداع كانت تتم عبر تطبيقات التحويل المالي والمَحافظ الإلكترونية".

تحجب الحكومة المصرية تطبيقات ومواقع المراهنات، كما تراقب وترصد التدفقات المالية المرتبطة بـ"الرهانات الرياضية غير المشروعة"، وتلقي القبض على من يعملون كوسطاء لتحويل الأموال إلى تلك التطبيقات خارج مصر.

ويرى الدكتور عمارة أن المنع القانوني لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الظاهرة.

ويقول: "عندما تُمنع المراهنات قد يلجأ بعض المستخدمين إلى وسائل أخرى للوصول إليها، وهو ما يجعل من الصعب قياس حجم النشاط الحقيقي".

تصنف منظمة الصحة العالمية اضطراب المقامرة ضمن الاضطرابات السلوكية المرتبطة بالإدمان، وهي حالة قد تؤدي إلى أضرار مالية ونفسية واجتماعية لدى بعض الأشخاص، بما في ذلك مخاطر تطور سلوكيات قهرية مرتبطة بالخسارة والإفراط في اللعب.

لكن يصر المتحدث باسم مجلس المراهنات والألعاب، وهي هيئة تمثل شركات المراهنات ومقرها بريطانيا، في رد لبي بي سي، على أن أعضاءها ملتزمون بتوفير حماية إضافية للعملاء، ومراقبة أنشطة اللعب عبر الإنترنت، ووضع حدود للإيداع.

ورغم الجدل المستمر حول آثار المراهنات، أصبحت شركاتها جزءاً أساسياً من الاقتصاد الرياضي العالمي.

فشعارات تلك الشركات تظهر على قمصان أندية كرة القدم في الدوريات الأوروبية، وفي الملاعب الأفريقية والآسيوية، كما تظهر إعلاناتها خلال البث التلفزيوني للبطولات الكبرى.

وفي هذا السياق، وافقت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز على وقف ظهور شعارات شركات المراهنات على واجهة قمصان اللاعبين اعتباراً من موسم 2026-2027، في خطوة تعكس تزايد الضغوط المجتمعية والسياسية للحد من حضور هذه الشركات في كرة القدم، رغم استمرار ظهورها في مساحات إعلانية أخرى داخل اللعبة.

ويقول الدكتور عمارة إن العلاقة بين الرياضة وصناعة المراهنات أصبحت أقوى من أي وقت مضى، ويضيف: "أصبح هناك نوع من الاعتياد على وجود هذه الشركات في المشهد الرياضي لأنها ترتبط بتمويل البطولات والأندية."

 

السوق العربي... جمهور مستهدف

رغم غياب إحصاءات رسمية لحجم المراهنات الرياضية في العالم العربي، تشير بعض البيانات إلى اتساع الظاهرة في عدد من الأسواق العربية.

فبحسب بيانات شركة TGM Research المتخصصة في أبحاث السوق، شارك 30.4 في المئة من البالغين في مصر في المراهنات الرياضية، في حين قدرت مؤسسة Data Bridge Market Research قيمة سوق المراهنات الرياضية في مصر بنحو 961 مليون دولار.

وفي تونس، أظهرت استطلاعات TGM Research عام 2024 أن 28 في المئة من البالغين يشاركون في المراهنات الرياضية.

أما في المغرب، فتسجل منصات المراهنات الخارجية نحو 4.7 مليون زيارة شهرية من مستخدمين محليين، وفق بيانات SEMrush.

ويرى رافايلو روسي، الباحث في أضرار المقامرة بجامعة بريستول الإنجليزية، أن هذه الأرقام تفسر الاهتمام المتزايد للشركات العالمية بالمنطقة العربية.

ويقول: "قد لا تكون المنطقة العربية أكبر سوق للمراهنات الرياضية في العالم، لكنها من أكثر الأسواق نمواً. نحن نتحدث عن مئات الملايين من المستخدمين المحتملين، وغالبية السكان من فئة الشباب الأكثر ارتباطاً بكرة القدم والهواتف الذكية".

ويضيف روسي أن طرق الوصول إلى الجمهور العربي تطورت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ويقول: "لم تعد الشركات تعتمد على الإعلانات التقليدية فقط، لكنْ هناك اعتمادٌ متزايدٌ على المؤثرين الرياضيين، وقنوات تلغرام، والتسويق بالعمولة، والمحتوى الرياضي القصير على منصات التواصل الاجتماعي".

ومع انطلاق كأس العالم 2026، يظل الجدل قائماً بين دول تواصل حظر المراهنات وأخرى تتجه إلى تنظيمها، وبين صناعة رياضية عالمية تعتمد بصورة متزايدة على أموال هذا القطاع، فيما يبقى ملايين الشباب - من أبرز الفئات المستهدفة بحملاته التسويقية - يمارسون الرهانات بالفعل.

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك