*
الاحد: 14 حزيران 2026
  • 13 حزيران 2026
  • 20:20
من إنجاز مونديال قطر إلى حلم 2026 كيف تحول المغرب إلى قوة كروية عالمية

خبرني - لم يكن أكثر المتفائلين من المغاربة، سواء من الجيل الذي عاش إنجاز مونديال المكسيك عام 1986 حين بلغ المنتخب المغربي الدور ثمن النهائي، أو من جيلي الذي عاش نهائي كأس أفريقيا عام 2004، يتوقع أن يصبح المغرب رقماً صعباً في عالم كرة القدم بعد بلوغه نصف نهائي كأس العالم 2022 في قطر.

بين عامي 1985 و2004 وإلى غاية 2022، كانت هناك سنوات عجاف، هفوات وإخفاقات، مخططات عشوائية، وغياب سياسات واضحة، عاشت خلالها الكرة المغربية ما يمكن وصفه بـ"نكسات كروية" وإخفاقات عديدة أبعدتها عن كأس العالم لمدة عشرين عاماً، قبل أن تعود من بوابة مونديال روسيا عام 2018، ثم إنجاز تاريخي لم يسبق له مثيل أفريقياً وعربياً في عام 2022.

الثورة الكروية في المغرب لم تقتصر فقط على المنتخب الأول، بل طالت مختلف الفئات السنية، وتُرجمت في تحقيق بطولات محلية ودولية، أبرزها التتويج بكأس العالم تحت 20 سنة بتشيلي عام 2025، والظفر بالميدالية البرونزية في دورة الألعاب الأولمبية في باريس عام 2024، والفوز بكأس العرب عام 2025، وتتويجات ببطولات كأس أفريقيا للمحليين ومختلف الفئات السنية، وبلوغ الدور الثاني في كأس العالم للنساء في أستراليا ونيوزيلندا عام 2023.

المتتبع لكرة القدم بالمغرب، يدرك جيداً أن الكرة ليست مجرد لعبة بل عشقٌ يتنفسه الصغار والكبار، ففي كل حي وشارع هناك مواهب كروية تمارس هوايتها في ملاعب شعبية وأحياناً في ساحات عامة قد تتحول مؤقتاً إلى ملاعب للمستديرة.

المسؤولون أدركوا أن الموضوع يحتاج إلى مشروع كروي حقيقي يترجم هذا العشق "الهاوي" للمستديرة إلى إنجازات حقيقية قارية ودولية، وهكذا بدأ الحلم المغربي.

الاستثمار في البنيات التحتية: ملاعب القرب

وتتمثل هذه المنشآت في ملاعب صغيرة مغطاة غالباً بالعشب الاصطناعي، تشرف عليها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، فيما تتولى جمعيات الأحياء في كثير من الأحيان تسييرها وتنظيم أنشطتها اليومية.

ولم يقتصر الاهتمام بتطوير هذه البنية التحتية على الجهود الوطنية فحسب، بل حظي أيضاً بدعم دولي متزايد. إذ وقع الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" بداية هذا العام اتفاقية مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لإنشاء 30 ملعباً مصغراً من فئة "فيفا أرينا" (FIFA Arena) في مختلف مناطق المملكة.

يأتي هذا البرنامج ضمن مبادرة عالمية أطلقتها الفيفا بهدف إنشاء ما لا يقل عن 1000 ملعب كرة قدم مصغر حول العالم بحلول عام 2031، بما يضمن إتاحة فرص أكبر لممارسة كرة القدم واكتشاف المواهب في مختلف دول العالم.

ملاعب بمواصفات عالمية
 

منذ فوز المغرب باستضافة النسخة الأخيرة من كأس الأمم الأفريقية، ونهائيات كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، شهدت المملكة طفرة غير مسبوقة في تطوير بنيتها التحتية الرياضية.

فقد أُطلقت مشاريع واسعة لبناء ملاعب جديدة وتحديث أخرى قائمة في مختلف المدن المغربية، بهدف مطابقتها لأعلى المعايير الدولية المعتمدة من قبل الاتحادين الدولي والأفريقي لكرة القدم.

وأصبحت معظم المدن المغربية الكبرى تتوفر اليوم على ملعب رياضي واحد على الأقل بمواصفات عالمية، حيث استضاف عدد منها منافسات قارية ودولية كبرى، فيما تخضع ملاعب أخرى لأشغال التوسعة والتحديث استعداداً لاستقبال مباريات كأس العالم 2030.

ويُعد مشروع ملعب الحسن الثاني الكبير بمدينة بنسليمان، بالقرب من الدار البيضاء، أبرز هذه المشاريع وأكثرها طموحاً.

فمن المنتظر أن تبلغ سعته نحو 115 ألف متفرج، ما سيجعله أكبر ملعب لكرة القدم في العالم عند اكتماله. كما يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الملاعب المرشحة لاستضافة المباراة النهائية لكأس العالم 2030، في خطوة تعكس المكانة المتنامية للمغرب على الساحة الكروية الدولية وطموحه إلى التحول إلى مركز رياضي عالمي.

أكاديمية محمد السادس لكرة القدم: مشتل المواهب
 

تُعد أكاديمية محمد السادس لكرة القدم أحد أبرز المشاريع الرياضية التي ساهمت في إحداث تحول جذري في كرة القدم المغربية خلال العقود الأخيرة.

أُسست سنة 2009 بمبادرة من العاهل المغربي الملك محمد السادس، في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى تطوير كرة القدم المغربية من خلال الاستثمار في تكوين اللاعبين في سن مبكرة وفق معايير احترافية عالمية.

تقع الأكاديمية بمدينة سلا، وتوفر للشباب الموهوبين بيئة متكاملة تجمع بين التكوين الرياضي والتعليم الأكاديمي والرعاية الصحية والتأطير النفسي والاجتماعي.

ويقول مسؤولو الأكاديمية إنها تقوم بعملية انتقاء دقيقة تشمل مختلف جهات المغرب، بهدف اكتشاف أفضل المواهب الكروية ومنحها فرصة التطور في ظروف احترافية تضاهي أكبر مراكز التكوين العالمية.

ثمار الأكاديمية بدأت تظهر خلال السنوات الماضية، ونجحت في تخريج عدد من اللاعبين الذين احترفوا في أندية أوروبية كبرى ومثلوا المنتخب المغربي في مختلف الفئات العمرية والمنتخب الأول، ما جعلها تُصنف ضمن أنجح أكاديميات كرة القدم في العالم.

من بين خريجي الأكاديمية يوجد خمسة لاعبين كانوا ضمن لائحة وليد الركراكي في كأس العالم بقطر، وهم نايف أكرد وعز الدين أوناحي ويوسف النصيري وأسامة ترغلين وعبد الحميد آيت بودلال.

بالإضافة إلى لاعبين شاركوا مع المنتخبات الوطنية في الفئات السنية أبرزهم هداف المنتخب المغربي للشباب المتوج بكأس العالم ياسر الزابيري المحترف حالياً في نادي رين الفرنسي، وياسين الخليفي المحترف حاليا بشارل لوروا البلجيكي، وفؤاد الزهواني الذي يلعب في نادي اتحاد تواركة بالمغرب، وعدد كبير من اللاعبين الآخرين.

بطولة احترافية
 

بعد سنوات من التسيير "الهاوي"، أطلق المغرب عام 2011 مشروع البطولة الاحترافية المغربية في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تحديث منظومة كرة القدم الوطنية والارتقاء بها إلى مستوى المعايير الدولية، وفقاً لما ذكرته الجامعة المغربية لكرة القدم.

ولم يكن الهدف من المشروع تغيير اسم البطولة فقط، بل إرساء نموذج جديد لتسيير الأندية يعتمد على الحكامة والشفافية والاستقرار المالي والتدبير الاحترافي.

وفرضت الجامعة على الأندية استيفاء مجموعة من الشروط الواردة في "دفتر التحملات"، من بينها توفير موارد مالية كافية، واعتماد إدارة احترافية، وتحسين البنيات التحتية، وتطوير مراكز التكوين والفئات السنية.

المشروع يرمي أيضا إلى تنظيم العقود الاحترافية وضمان الحقوق الاجتماعية والمالية للأطراف المختلفة، وتحسين الظروف المهنية للاعبين والمدربين.

وفي عام 2015 تطور المشروع أكثر مع إنشاء العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية، التي أصبحت تتولى الإشراف على تسيير المسابقات الاحترافية وتطويرها وفق معايير حديثة، بما ينسجم مع متطلبات الاتحادين الدولي والأفريقي لكرة القدم.

وقد ساهمت البطولة الاحترافية في رفع مستوى الأندية المغربية قارياً، إذ أصبحت الأندية الوطنية منافساً دائماً على الألقاب الأفريقية، كما وفرت بيئة أفضل لتطوير اللاعبين الشباب وإعدادهم للاحتراف الخارجي.

وشكلت البطولة، إلى جانب أكاديمية محمد السادس وملاعب القرب والبنية التحتية الحديثة، أحد الأعمدة الأساسية للمشروع الكروي المغربي.

التنقيب عن مواهب كروية في الخارج
 

تعتمد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في استقطاب المواهب الكروية من ذوي الجنسية المزدوجة على منظومة عمل منظمة ومتكاملة، تجمع بين الكشافين الميدانيين والتواصل المباشر مع اللاعبين وعائلاتهم، خاصة في الدول الأوروبية التي تضم جاليات مغربية كبيرة مثل فرنسا، بلجيكا، هولندا، إسبانيا وألمانيا.

وتقوم هذه الشبكة من الكشافين بمتابعة اللاعبين الشباب في الأندية الأوروبية والأكاديميات الكروية، مع التركيز على الفئات السنية الصغرى، حيث يُرصد اللاعبون ذوو الأصول المغربية ويُقيم مستواهم التقني والبدني بشكل دقيق، قبل رفع تقارير مفصلة إلى الإدارة التقنية داخل الجامعة.

ولا يقتصر دور هذه المنظومة على الجانب الفني فقط، بل يمتد إلى الجانب الإقناعي والتواصلي، فيحدث التواصل مع اللاعبين وعائلاتهم لشرح مشروع المنتخب المغربي، وتقديم رؤية واضحة حول فرص التطور والاحتراف، كما يُقدم الدعم اللازم للاعبين ولعائلاتهم ومواكبتهم منذ الصغر وفق ما صرح به العديد من اللاعبين المغاربة.

ويحدث هذا العمل بتنسيق مباشر بين الإدارة التقنية للمنتخبات الوطنية، ومدربي الفئات السنية، والكشافين المنتشرين في أوروبا، إضافة إلى فريق متخصص في متابعة ملفات اللاعبين مزدوجي الجنسية، مع مراعاة القوانين الدولية للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) المتعلقة بتغيير الجنسية الرياضية.

وساهمت هذه الإستراتيجية في تعزيز قوة المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة، من خلال استقطاب عدد مهم من اللاعبين المولودين والمكونين في أوروبا، والذين اختاروا تمثيل المغرب، مما ساعد على رفع المستوى الفني للمنتخبات الوطنية المغربية وإرساء قاعدة بشرية قوية قادرة على المنافسة قارياً وعالمياً.

اختبار 2026: "المستحيل ليس مغربيا"
 

يدخل المغرب غمار كأس العالم في الولايات المتحدة هذه المرة بعقلية مختلفة وطموحات أكبر من أي وقت مضى. فلم يعد المنتخب المغربي ذلك الفريق الذي يسعى فقط إلى تقديم مشاركة مشرفة، كما كان الحال في نسخ سابقة من المونديال، بل بصفته رابع العالم في مونديال قطر، وبصفته السابع في تصنيف الفيفا لمنتخبات العالم.

اليوم تتجه الأنظار إلى "أسود الأطلس" باعتبارهم أحد أبرز المنافسين القادرين على صناعة الحدث مجدداً. وسيكون الاختبار الأول أمام منتخب البرازيل، أحد أعظم المنتخبات في تاريخ اللعبة، في حوار كروي ينتظر أن يكون من الأقوى والأجمل في البطولة.

فالمغرب بقيادة محمد وهبي، الذي نجح في قيادة منتخب أقل من عشرين سنة إلى التتويج بكأس العالم بتشيلي، سيواجه منتخب "السامبا" المدجج بالنجوم تحت قيادة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي.

ولأن المغاربة يرددون دائما أن "المستحيل ليس مغربياً"، ينتظر الكثيرون أن يؤكد المنتخب المغربي علو كعبه وأحقيته في الوجود مع كبار القوم في عالم المستديرة، وأن ما حققه لم يكن صدفةً عابرةً، بل مشروعٌ طموح وحلمٌ بدأ من ملاعب الأحياء الشعبية في المغرب، ليصل إلى أكبر الملاعب والبطولات العالمية.

 

 

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك