في الوقت الذي يترقب فيه الموظفون والمتقاعدون أي خطوة من شأنها التخفيف من الأعباء المعيشية المتزايدة، فإن أي قرار يتعلق بالرواتب يجب أن يقوم على أسس العدالة والإنصاف، وأن يراعي الفروقات الوظيفية وسنوات الخدمة والخبرات المتراكمة، لا أن يخلق فجوات جديدة بين العاملين في القطاع العام والمتقاعدين.
إن قرار منح زيادة شهرية مقدارها (30) ديناراً للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم عن (600) دينار شهرياً، ورغم نبل مقصده وحرصه على دعم أصحاب الدخل الأقل، قد يفضي إلى نتائج عكسية تمس جوهر العدالة الوظيفية.
فكيف يمكن تفسير أن موظفاً راتبه (595) ديناراً وخدمته عشر سنوات يحصل على زيادة ترفع راتبه إلى (625) ديناراً، في حين يبقى زميله الذي أمضى أربعة عشر عاماً في الخدمة ويتقاضى (605) دنانير دون أي زيادة؟ أليس في ذلك قلبٌ لمعادلة الأقدمية والخبرة والاستحقاق؟
إن العدالة لا تعني فقط دعم الفئات الأقل دخلاً، بل تعني أيضاً المحافظة على التدرج الوظيفي والفوارق المستحقة بين العاملين. فحين يصبح صاحب الخدمة الأقل راتباً أعلى من صاحب الخدمة الأطول، فإن الرسالة التي تصل إلى الموظفين هي أن سنوات العمل والاجتهاد والترقي لم تعد ذات قيمة حقيقية في سلم الرواتب.
إن معالجة هذه الإشكالية ليست أمراً معقداً، فهناك بدائل أكثر عدالة يمكن للحكومة أن تأخذ بها، مثل منح الزيادة للجميع بنسب متفاوتة، أو اعتماد آلية تضمن عدم تجاوز راتب الموظف المستفيد راتب زميله الأعلى درجة أو الأطول خدمة، أو إعادة هيكلة العلاوات بطريقة تحفظ الحقوق المكتسبة وتحقق العدالة الاجتماعية في آن واحد.
ومن المقترحات العملية التي يمكن الأخذ بها منح زيادة نسبية لجميع الموظفين والمتقاعدين الذين تقل رواتبهم عن ألف دينار مثلاً، بحيث ترتبط الزيادة بنسبة من الراتب الأساسي أو الإجمالي، الأمر الذي يحقق دعماً حقيقياً لأصحاب الدخل المحدود دون الإخلال بالتدرج الوظيفي أو المساس بحقوق أصحاب الخبرات الأطول.
نحن ندرك حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة، ونقدر أي جهد يهدف إلى تحسين مستوى معيشة المواطنين، لكننا في الوقت ذاته نؤمن بأن العدالة يجب أن تكون شاملة، وأن أي إصلاح مالي ينبغي أن يراعي أثره على جميع العاملين والمتقاعدين دون استثناء.
دولة رئيس الوزراء الأكرم،
إن تحقيق العدالة لا يكون بإنصاف فئة على حساب أخرى، ولا بإزالة فجوة عبر خلق فجوة جديدة. فالمطلوب هو حلول متوازنة تحفظ كرامة الجميع، وتكافئ سنوات العطاء والخبرة، وتعزز الثقة بين الموظف ومؤسسات الدولة.
ولذلك نقول بكل احترام ومحبة للوطن ومؤسساته:
ليس هكذا تُورَد الإبل.



