الطلقة التي لم تسقط بعد
ثمة امم تملك تاريخا. وثمة امم يملكها التاريخ. الفرق بين الصنفين ليس في حجم ما حدث — بل في شجاعة من قرر ان يفهم بدلا من ان يحتفل فقط.
في هذه الايام من يونيو يجتمع في التقويم الاردني ما لا يجتمع في تقويم امة اخرى: عيد جلوس ملك احترف ان يكون اكبر من الظرف دائما، ويوم جيش كانت انتصاراته الاكثر ديمومة هي تلك التي لم تقع فيها الحروب اصلا، وذكرى ثورة اطلق صوتها الاول في الصحراء رجل امن ان الكرامة ليست ترفا — وما زال صداها يتردد حتى هذه اللحظة. ثلاثة مواعيد لا تتزاحم بل تتكامل. ثلاثة اصوات لا تتنافس بل تتناغم. ولو غاب احدها اختل اللحن كله. وحين تسمعها في نشيد واحد تدرك لماذا قال الملك المؤسس عبدالله الاول طيب الله ثراه: نحن اهل البيت السبب الاول في رفعة العرب. لم يكن يتباهى. كان يصف مسؤولية.
لن اكتب هذا المقال كما يُكتب في المناسبات. لن اضع اكاليل الكلام على تواريخ تستحق اكثر من ذلك. ما سافعله هو ما يفعله الكاتب الذي يحب بعيون مفتوحة: سارى هذا الثالوث كما يراه من ينتمي لا كما يراه من يؤدي الانتماء. وسادخل في الصورة بنفسي — بكل ما فيها من حب وما فيها من جرح — لان الكاتب الذي لا يجرؤ على الوقوف داخل نصه لا يستحق ان يكتب عن الوطن.
✦ ✦ ✦
رجل قال لا من مكان الكرامة
حين اطلق الشريف الحسين بن علي طلقته الاولى في يونيو 1916، لم تخرج من بارودة فحسب — خرجت من قرار. الثورات الحقيقية لا تنبثق من خطط كاملة. تنبثق من لحظة يقول فيها انسان بصوت هادئ لا يُرد: يكفي. ليس من مكان اليأس. من مكان الكرامة. وهذا الفرق — بين ثورة تنطلق من ضعف وثورة تنطلق من قوة داخلية — هو ما يجعلها باقية بعد مئة عام وهي لا تزال تتنفس.
طلقة الحسين لم تصب خريطة سايكس — سايكس وبيكو كانا يقتسمان الجغرافيا بقلم رصاص في غرفة مغلقة بينما كانت الخيول تركض في الصحراء، ووعد بلفور كان يجهز لجرح لم يندمل حتى اللحظة التي اكتب فيها هذه الكلمات. لكن تلك الطلقة اصابت شيئا اعمق من الخريطة: اصابت الوعي الجمعي للانسان العربي، اصابت الجين المسؤول في جسد هذه المنطقة. وهذا النوع من الاصابة لا يشفى منه احد — لا الاصدقاء ولا الاعداء. البذرة لا تظهر دائما في التوقيت الذي يريحنا. لكنها لا تموت!
الاردن وحده من رفض ان يتعامل مع هذا الارث كاثر في متحف. جعله دما يجري. جعله قرارا يُتخذ في اصعب لحظات الضغط. الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس ليست بروتوكولا دبلوماسيا — هي امتداد حي لنفس الروح التي قالت عام 1916: هذا المكان لنا ولن نتنازل عنه.
✦ ✦ ✦
جيش للوطن لا على الوطن
الجيش العربي لم ينقلب يوما على شعبه. ولم يحتج يوما الى ان يخاف منه شعبه. لم يصنع قصورا في البرلمان ولا امبراطوريات في الاعلام. بقي كالجدار الصامت في زمن الجدران الناطقة بالتهديد والمتداعية بالفساد. وهذا في سياق المنطقة التي نعيشها يعادل معجزة مؤسسية لا يقدر قيمتها الا من فقدها.
في الكرامة سنة 1968، حين جاء من اعتقد انه لا يُرد، وجد ما لم يحسب له. لم تكن المفاجاة في العتاد ولا في العدد. كانت في شيء لا يُدرج في الخطط: ان جنودا يقاتلون وهم يعرفون تماما لماذا يقاتلون. الجندي الذي يعرف معنى ما يقف امامه لا يقيسه احد بما يحمل. الكرامة لم تكن معركة فحسب — كانت جملة قالها الاردن للعالم: موقفنا ليس للبيع.
انا ككاتب لا يملك الا الكلمات احمل نحو هذا الجيش شيئا يشبه الدين الذي لا يُسدد. حياتي الهادئة وكلماتي الحرة وليالي احمد وآدم ورزان ولمار وميرال وميار — ستة اسماء لا ينامون بأمان بمعجزة، بل لان رجالا ونساء لا يعرفون اسماءهم اختاروا ان يكونوا درعا حتى يتمكن غيرهم من ان يكون حياة. كانوا يبنون السقف قبل ان تُخلق خلايا احمد. كانوا يحرسون نطفة كل طفل اردني لم يولد بعد. هذا النوع من التضحية الذي لا يطلب مقابلا ولا يصنع ضجيجا — هو اكثر ما تحتاجه الامم في كل يوم عادي. خصوصا في الايام التي يبدو فيها كل شيء على ما يرام.
✦ ✦ ✦
عرش يعرف ان الشرعية تُكتسب كل يوم
ربع قرن وسنوات على العرش الاردني ليست رقما. في حسابات هذه المنطقة كل عام فيها يعادل عشرا في مكان اهدا. منذ اليوم الاول لجلوس الملك عبدالله الثاني كانت المنطقة تصنع فوضاها المتجددة: انتفاضات وحروب وانهيارات وخرائط تُعاد رسمها بالدم. ومع ذلك يبقى الاردن. ليس كشاهد بل كفاعل. ليس كضحية بل كطرف يملك رايا يُسمع. هذا لا يصنعه الحظ. الحظ لا يمتد ربع قرن.
الشرعية الاردنية ليست زيتونة تُقطف مرة في يوم البيعة وتنتهي القصة. هي زيتونة معمرة تسقط حبة من زيتها كل يوم — امان هنا وانجاز هناك وثقة لا تُشترى. الجلوس الملكي ليس حدثا يمر ويُنسى. هو تجديد لعقد غير مكتوب لكنه اعمق من كثير مما يُكتب: بين قيادة تعرف ان الشرعية ليست منصبا يُمنح مرة وتنتهي القصة، وبين شعب يعرف ان الولاء ليس طاعة عمياء — بل اختيار يومي يقوم على الثقة. حين تتوفر هذه الثقة تصنع الامم ما لا تصنعه الموارد والجغرافيا والتحالفات مجتمعة.
✦ ✦ ✦
السابع عشر من يونيو
في السابع عشر من يونيو 2007 كنت في غرفة وانا احاول ان ابدو هادئا امام زوجتي وانا لست هادئا. حين جاء احمد وصرخ لاول مرة لم افكر في الاردن ولا في الثورة ولا في يوم الجيش. فكرت في شيء واحد: هذا الصوت الصغير الغاضب من العالم — كيف احميه؟
بعد ثمانية عشر عاما اجلس وانا اكتب هذا واعرف ان السؤال لم يتغير. لكن اجابته اتسعت.
حين سالت نفسي كيف احمي هذا الصوت كنت افكر في الابواب المقفلة والشوارع الامنة. لم اكن افكر في ان الجواب الاعمق كُتب قبل ولادته بمئة عام. ان رجالا لا يعرفون اسمه ولم يروا وجهه كانوا — وهم يحملون بنادقهم في صحراء الحجاز وعلى تلال الكرامة وخلف حدود لا تنام — يكتبون بأجسادهم جزءا من ذلك الجواب. كانوا يبنون السقف الذي سينام تحته احمد وآدم ورزان ولمار وميرال وميار — دون ان يعرفوا اسماءهم.
احمد لا يعرف هذا. وُلد وكل شيء على ما يرام ظاهرا كما يولد ابناء الامم التي ادت واجبها قبل ان يولدوا. وهذا بالضبط — هذا الجهل المريح — هو اغلى ما تمنحه الثورات والجيوش والعروش حين تؤدي دورها: لا تجعل ابناءها يشعرون بها. تجعلهم يشعرون بالامان فقط دون ان يعرفوا الثمن.
اجمل ما تصنعه الاوطان الحقيقية ان تجعل الحماية غير مرئية. واقسى ما يفعله الكاتب الصادق ان يجعلها مرئية — لا ليحزن احدا، بل لان من لا يرى الثمن لا يعرف قيمة ما يملك!
✦ ✦ ✦
حب لا يعمي ولا يصمت
حين تضع الثورة والجيش والعرش في صورة واحدة ترى البنية الكاملة لدولة لم تُبنَ بالصدفة. الثورة هي الجذر — تقول: نحن هنا منذ قبل ان تسمينا احد. الجيش هو الجذع — يحمل هذا الوجود ويترجم القناعة الى صمود. والعرش هو الثمرة — حين يكتمل المثلث يصبح للارادة وجه يعرفه العالم ولا يستطيع تجاهله. هذا العمود الثلاثي ان سقط احد قوائمه سقط السقف كله.
اكتب هذا وانا اعرف ان قوة الاوطان لا تُقاس فقط بما تنجزه — بل بقدرتها على الاقتراب من المثال الذي ترفعه لنفسها. العدالة ليست هدية تُمنح بعد الاستقرار — هي شرط من شروطه. وحين يطالب المخلصون بمزيد من الانصاف فهم لا يعترضون على الوطن — هم يحرصون عليه. ولا يفعل ذلك الا من يستطيع الصمت ويأبى.
واكتب ايضا — ولن اختبئ خلف العموميات — من مكان من قضى خمسة وعشرين عاما يعطي ويعرف ان تقاعده لن يكفي للعيش الكريم، ومن مكان كاتب تُقرأ سعته المعرفية في عيون بعضهم ضعفا لا قوة، في زمن يكافئ السرعة ويعاقب العمق. لم يجعلني هذا اقل حبا لهذا الوطن لحظة واحدة. لكنه جعلني اعرف ان الحب الحقيقي لا يكتفي بالاحتفاء بما تحقق — يتطلع الى ما يمكن ان يكون اجمل. ومن لا يرى ذلك لا يستحق ان يُسمى كاتبا — يستحق ان يُسمى مصفقا.
✦ ✦ ✦
الوطن الذي يسكن فينا
في السابع عشر من يونيو حين يحتفل احمد بعيد ميلاده الثامن عشر ومن حوله آدم ورزان ولمار وميرال وميار، سيحتفلون دون ان يعرفوا كل هذا. وهذا جميل. لكنني اريدهم يوما ما ان يعرفوا: انهم ابناء هذه الايام. ابناء الثورة التي لم تنتهِ والجيش الذي لم يتعب والعرش الذي يعرف ان الولاء لا يُطلب بالقوة بل يُمنح بالثقة. وان يحبوا هذا الوطن كما تعلمت ان احبه: بعيون مفتوحة وبقلب لا يساوم وبصوت لا يخفت حين يكون الصدق ثقيلا!
الاردن ليس وطنا نسكنه — هو وطن يسكن فينا. والفرق بين الاثنين هو فرق بين من يحمل التاريخ ومن يصنعه.
هذا الثالوث المقدس — الثورة والجيش والجلوس — ليس ذكرى تمر. هو الدليل على ان امة تعرف سرها، حتى حين يؤلمها بعض فصوله، لا تستعطي الاعتراف. تفرضه.



