*
الثلاثاء: 09 حزيران 2026
  • 09 حزيران 2026
  • 20:48
الأردنيون ونظام الطيبات متلازمة الدومينو بين المتضررين والمتحمسين
الكاتب: علاء ناجي

لم يكن أكثر المتابعين يتوقع أن يتحول نظام غذائي إلى واحدة من أكثر القضايا تداولاً بين الأردنيين خلال فترة قصيرة. فمن جلسات العائلة إلى مقاهي المدن، ومن مجموعات "الواتساب" إلى منصات التواصل الاجتماعي، أصبح الحديث عن "نظام الطيبات" جزءا من النقاش اليومي لدى شريحة واسعة من المجتمع.

اللافت في هذه الظاهرة ليس النظام بحد ذاته، وإنما السرعة التي انتشرت بها الفكرة وقدرتها على الوصول إلى مختلف الفئات العمرية والاجتماعية. ففي وقت قياسي، انتقل الحديث من تجارب فردية محدودة إلى موجة مجتمعية واسعة دفعت الكثيرين إلى إعادة النظر في عاداتهم الغذائية وأنماط حياتهم الصحية.

هذه الحالة تكشف بوضوح حجم التأثير النفسي الجماعي الذي بات يحكم جزءا كبيرا من سلوك المجتمعات الحديثة. فعندما يشاهد الفرد اعدادا متزايدة من الأشخاص يتحدثون عن تجربة معينة أو يروون قصص نجاح مرتبطة بها، تتولد لديه قناعة بأن هناك شيئا يستحق التجربة أو الاهتمام. ومع تكرار الرسائل ذاتها من مصادر متعددة، يتحول الفضول إلى اهتمام، ثم إلى قناعة، ثم إلى سلوك عملي.

ما حدث مع نظام الطيبات يشبه إلى حد بعيد ما يعرف بمتلازمة الدومينو؛ حيث تبدأ الفكرة من مجموعة صغيرة، ثم تنتقل إلى المحيط الاجتماعي، قبل أن تتوسع تدريجيا لتشمل شرائح أكبر من المجتمع.

 وكلما ازداد عدد المتبنين للفكرة، ازدادت قدرتها على الانتشار والتأثير، بغض النظر عن حجم الادلة العلمية المتوافرة حولها لدى الجمهور.

وفي خضم هذه الموجة، ظهر فريق من المؤيدين المتحمسين الذين نقلوا تجاربهم الشخصية، وفريق اخر من المتضررين ماليا وصحيا ، كما ظهر بالمقابل نافخو كير الإثارة الذين تعاملوا مع الظاهرة بمنطق المبالغة والتهويل، فإما أن النظام أصبح علاجا لكل شيء، أو أنه تحول إلى خطر يهدد الجميع. وبين هذين الاتجاهين، وجد المواطن نفسه أمام كم هائل من الآراء المتضاربة التي تتطلب قدرا أكبر من التحليل .

وهنا يبرز دور الوعي الاستيعابي، وهو الوعي القادر على استيعاب الفكرة دون الانجراف وراءها، ومناقشتها دون رفضها مسبقا، والبحث عن الأدلة قبل تبني المواقف. فالمجتمعات الناضجة لا تدار بالانفعالات العابرة، بل بقدرتها على التمييز بين التجربة الشخصية والحقيقة العلمية، وبين الرأي الفردي والمعلومة الموثقة.
 الظاهرة  الطيبات اكدت جانباً مهماً من طبيعة الكيان الجمعي الأردني، الذي يمتلك قدرة عالية على التفاعل مع القضايا الجديدة، لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى تعزيز ثقافة التحقق والقراءة المتأنية قبل الانخراط الكامل في أي موجة مجتمعية. فالأردنيون بطبيعتهم يتأثرون بما يلامس حياتهم اليومية وصحتهم ومستقبل أبنائهم، وهو ما منح هذه الفكرة مساحة واسعة للانتشار.

وفي النهاية، فان قصة نظام الطيبات تتجاوز كونها نقاشا حول الغذاء أو الصحة، لتصبح نموذجا معبرا عن كيفية تشكل الرأي العام في العصر الرقمي. 
ثبت أن فكرة واحدة قادرة على الوصول إلى آلاف المنازل خلال أيام، وأن قوة التأثير لم تعد مرتبطة بالمؤسسات التقليدية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضا بقدرة الفكرة على ملامسة اهتمامات الناس وتحريك مشاعرهم وتطلعاتهم.

ويبقى السؤال الأهم: هل نقود الأفكار أم تقودنا؟ الإجابة لا تكمن في رفض كل جديد أو القبول بكل ما ينتشر، بل في امتلاك وعي استيعابي يحافظ على توازن المجتمع، ويحصّن الكيان الجمعي من الانجراف خلف الضجيج، مهما كانت جاذبية الموجة أو اتساع انتشارها.

مواضيع قد تعجبك