*
الاحد: 07 حزيران 2026
  • 06 حزيران 2026
  • 23:39
الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى 
الكاتب: زهير الشرمان

الشائعات ليست دائما بنت الكذب، فقد تكون أحيانا بنت الخوف، أو بنت الطمع، أو بنت المشاريع التي لم يحن وقت إعلانها بعد. ولهذا لا يكون السؤال دائما: هل الشائعة صحيحة؟ بل قد يكون السؤال الأهم: لماذا ولدت أصلا؟ وما الذي جعل الناس يتداولونها؟

من هنا اكتسبت بعض التقارير التي تحدثت عن مقترحات تستهدف إعادة تشكيل إدارة المسجد الأقصى وتقليص الدور الأردني في الإشراف على المقدسات الإسلامية في القدس خطورتها. فالقضية ليست أن هذه المقترحات أصبحت واقعا قائما، ولا أن أحدا أعلن رسميا انتهاء الوصاية الهاشمية، وإنما أن مجرد تداول هذه الأفكار يكشف عن مناخ سياسي يجعل كثيرين يرون الأمر ممكنا بعد أن كان يعد مستحيلا.

والحقوق الكبرى لا تبدأ رحلة ضياعها يوم تسلب، بل يوم يصبح المساس بها قابلا للتصور.

فالقدس ليست قطعة أرض يتنازع عليها الساسة كما يتنازع التجار على حدود العقارات. القدس شيء أكبر من الجغرافيا، وأبعد من السياسة، وأعمق من الحسابات اليومية. إنها ذاكرة أمة، ورمز عقيدة، وشاهد حي على صراع لم يتوقف منذ قرون.

ولهذا فإن الوصاية الهاشمية على المقدسات لم تكن مجرد ترتيب إداري لتنظيم شؤون مكان مقدس، بل كانت تعبيرا عن مسؤولية تاريخية ارتبطت بحماية هوية المكان وصيانة طابعه الإسلامي في مواجهة العواصف التي ضربت المنطقة جيلا بعد جيل.

لكن الخطر على الحقوق لا يأتي دائما من الباب الأمامي.

كثيرا ما يتسلل من النوافذ المشبوهة.

فالحقوق لا تغتال دائما بالقرارات الصريحة، وإنما قد تستنزف بالتدرج حتى تستيقظ الشعوب ذات صباح فتجد أن الاسم بقي كما هو، أما المضمون فقد تبدل كله.

وهذا هو جوهر القلق الذي تثيره مثل هذه الطروحات.

فالخوف ليس من إعلان صاخب يقول إن الوصاية انتهت، بل من مسار طويل يعيد تعريفها خطوة بعد خطوة حتى تصبح شيئا مختلفا عما كانت عليه.

والتاريخ مليء بأمثلة من هذا النوع.

فكم من حقيقة لم تهزم بالقوة، وإنما هزمت بإعادة تعريفها.

وكم من حق لم ينتزع دفعة واحدة، وإنما قضم جزءا بعد جزء حتى لم يبق منه إلا الذكرى.

ولهذا ينظر كثيرون بعين الريبة إلى الحديث عن "التعدد الديني" أو "المكان المشترك" في المسجد الأقصى. ليس لأن التعايش بين البشر جريمة، ولا لأن احترام أتباع الديانات المختلفة أمر مرفوض، وإنما لأن المشكلة تبدأ عندما تتحول المصطلحات البراقة إلى أدوات لإعادة تشكيل الحقائق التاريخية وفق موازين القوة لا وفق موازين العدالة.

فاللغة كانت دائما أول أسلحة السياسة.

وكم من مشروع بدأ بكلمة وانتهى بتغيير خريطة.

وكم من تنازل دخل من باب المصطلحات قبل أن يدخل من باب القرارات.

غير أن المسألة لا تتعلق بالأردن وحده.

فحين تطرح أسئلة من هذا النوع حول القدس، فإن القضية تتجاوز حدود دولة بعينها. لأن القدس ليست ملكا لجيل واحد، ولا لشعب واحد، ولا لحكومة واحدة. إنها جزء من الوعي التاريخي والديني لمئات الملايين من البشر.

ولهذا فإن أي تغيير جوهري في وضعها لا يمكن أن يبقى حدثا محليا محدود الأثر. فالقدس كانت دائما أكبر من حدود السياسة، وأكبر من حسابات الحكومات، وأكبر من موازين القوة العابرة.

لكن الحكمة تقتضي أيضا ألا يتحول القلق إلى هلع، وألا تتحول الشائعات إلى حقائق بمجرد تكرارها.

فالعاقل لا ينام لأن الخطر لم يقع بعد، ولا يصرخ لأن الخطر قد يقع غدا.

إنما يراقب، ويتابع، ويستعد.

فالسياسة ليست مسرحا للمتفائلين السذج ولا للمتشائمين المذعورين، بل ميدانا لأصحاب البصيرة الذين يدركون أن المستقبل تصنعه اليقظة أكثر مما تصنعه الأمنيات.

والسؤال الحقيقي اليوم ليس: هل ستبقى الوصاية الهاشمية أم لا؟

السؤال الأخطر هو: هل ما زالت الأمة تمتلك الإرادة الكافية لحماية ما تبقى من ثوابتها التاريخية؟

فالأمم لا تفقد مقدساتها حين يعجز أبناؤها عن القتال فقط، بل حين يعجزون عن الانتباه.

ولا تضيع الحقوق يوم يهجم عليها الخصوم وحدهم، بل يوم يظن أصحابها أن التاريخ سيحرسها نيابة عنهم.

لقد مرت على القدس إمبراطوريات ادعت الخلود، ثم أصبحت أسماء في كتب التاريخ. ومرت عليها جيوش ظنت أن الزمن توقف عند أسوارها، فإذا بالزمن يمضي وتبقى القدس.

وبقي معها قانون لا يتغير:

أن الحقوق لا تضيع حين يشتد بطش خصومها، بل حين يضعف انتباه أصحابها.

ولهذا فإن اليقظة ليست خيارا سياسيا.

إنها شرط من شروط البقاء.
 

مواضيع قد تعجبك