*
الاحد: 07 حزيران 2026
  • 06 حزيران 2026
  • 23:23
إيلي كوهين رجل الموساد الذي اخترق عقل الدولة السورية
الكاتب: أنس الرواشدة

في عالم الاستخبارات، تتجسد قصص التسلل والاختراق في أسمى صورها من خلال شخصيات استثنائية تركت بصمة لا تُمحى في سجلات التاريخ. ومن بين هذه الشخصيات، يبرز اسم إيلي كوهين، عميل الموساد الإسرائيلي الذي نجح في اختراق قلب الدولة السورية في ستينيات القرن الماضي، ليصبح أحد أشهر وأخطر العملاء السريين في العصر الحديث. لم تكن مهمته مجرد جمع معلومات، بل كانت عملية دقيقة ومعقدة تطلبت براعة فائقة في التنكر، وقدرة لا مثيل لها على بناء الثقة، وذكاءً استثنائيًا لفهم آليات السلطة وصنع القرار في بلد معادٍ.
بدأت قصة إيلي كوهين، الذي ولد في مصر لعائلة يهودية، مساره الاستخباراتي بعد هجرته إلى إسرائيل. في تل أبيب، تم تجنيده من قبل الموساد، الذي رأى فيه الإمكانيات الكامنة لعميل سري ناجح. تميز كوهين بقدرته على التكيف مع البيئات المختلفة، وإتقانه للغات، وقدرته على بناء علاقات اجتماعية مع شخصيات بارزة. بعد تدريب مكثف، تم إعداده لعمليته الكبرى في سوريا، حيث كان الهدف هو جمع معلومات استراتيجية حول الجيش السوري، والأنظمة الدفاعية، والخطط العسكرية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة بين سوريا وإسرائيل.
لتنفيذ مهمته، اختار الموساد خطة محكمة. تم إرسال كوهين إلى سوريا تحت اسم مستعار هو كامل أمين ثابت، وهو رجل أعمال ثري يعود إلى سوريا بعد سنوات طويلة من الغياب. كانت هذه الهوية مزيفة بعناية فائقة، تتضمن قصة خلفية مفصلة، وشبكة علاقات افتراضية، وسجل أعمال وهمي. بدأ كوهين ببناء حياته الجديدة في دمشق، مستثمرًا في العقارات، ومنظمًا الحفلات، ومترددًا على الأماكن التي يلتقي فيها المسؤولون والشخصيات المؤثرة. سرعان ما استطاع أن يجذب انتباه النخبة السورية، بما في ذلك ضباط في الجيش، وسياسيين، ورجال أعمال.
لم يكن اختراق كوهين مجرد تسلل اجتماعي، بل كان اختراقًا معمقًا لأروقة السلطة. نجح في نسج شبكة واسعة من العلاقات، وحصل على ثقة شخصيات رفيعة المستوى، منهم العقيد أمين الحافظ، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا لمجلس الرئاسة السورية. كانت هذه العلاقات المفتاح لدخوله إلى قلب المعلومات السرية. كان كوهين قادرًا على الحصول على تفاصيل دقيقة حول مواقع الأسلحة، وطرق الدفاع، والاستعدادات العسكرية، وخطط سوريا لمواجهة إسرائيل. كانت المعلومات التي كان يرسلها إلى الموساد، غالبًا عبر أجهزة تنصت متطورة أو رسائل مشفرة، ذات قيمة استراتيجية هائلة لإسرائيل.
من أهم إنجازات كوهين، التي يُعتقد أنها ساهمت بشكل كبير في نجاح إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967، هي المعلومات التي قدمها حول التحصينات السورية في مرتفعات الجولان. يُقال إنه تمكن من تحديد مواقع البطاريات السورية بدقة، مما مكن الطائرات الإسرائيلية من استهدافها بفعالية في بداية الحرب. كما زود الموساد بمعلومات عن قدرات سوريا العسكرية، وأنظمة الرادار، وطرق تحرك القوات. كانت هذه المعلومات حاسمة في تغيير موازين القوى وتقليل الخسائر الإسرائيلية.
لكن العمل الاستخباراتي، مهما كان ناجحًا، ينطوي دائمًا على مخاطر كبيرة. بدأت الشكوك تحوم حول كامل أمين ثابت تدريجيًا. أدت بعض الأخطاء الطفيفة، أو ربما تصرفات مريبة، إلى لفت انتباه الأجهزة الأمنية السورية. في إحدى الروايات، يُقال إن كوهين، في لحظة ارتباك، قام بتشغيل جهاز الإرسال الخاص به في وقت غير مناسب، مما كشف عن وجوده. بدأت السلطات السورية تحقيقًا مكثفًا، وتمكنت من تعقب مصدر الإشارات. في يناير 1965، تم القبض على إيلي كوهين.
كان القبض على كوهين بمثابة ضربة قوية للاستخبارات الإسرائيلية. بعد فترة من التحقيق والتعذيب، تم تقديمه للمحاكمة بتهمة التجسس. أثارت قضيته اهتمامًا دوليًا واسعًا، وحاولت إسرائيل، وكذلك منظمات دولية، الضغط على سوريا للإفراج عنه، لكن دون جدوى. في 18 مايو 1965، تم إعدام إيلي كوهين علنًا في ساحة المرجة بدمشق أمام حشد غفير.
أصبحت قصة إيلي كوهين رمزًا للبراعة الاستخباراتية، ولكنها أيضًا بمثابة تحذير من مخاطر عالم التجسس. في إسرائيل، يعتبر كوهين بطلاً قوميًا، وتُدرس قصة حياته كنموذج للولاء والتضحية. أما في سوريا، فقد أصبح رمزًا للخيانة الوطنية، وللخطر الذي يمكن أن يمثله العملاء الأجانب. لقد اختلطت الأساطير بالحقائق في قصة كوهين، مما جعلها مادة خصبة للأفلام والكتب والأعمال الدرامية.
تظل قصة إيلي كوهين درسًا في كيفية أن شخصًا واحدًا، بذكائه وشجاعته وقدرته على خداع الآخرين، يمكن أن يؤثر بشكل كبير على مسار الأحداث السياسية والعسكرية. لقد اخترق عقل الدولة السورية، ووصل إلى أسرارها، وترك بصمة لا تمحى، وإن كانت نهايته مأساوية. لقد أكدت قصة كوهين على أن عالم الاستخبارات هو ساحة معركة لا تقل ضراوة عن أي ميدان قتال، وأن الأبطال الحقيقيين في هذا العالم غالبًا ما يعملون في الظل، وتُكتشف قصصهم بعد فوات الأوان، لتصبح أساطير تروى للأجيال.

مواضيع قد تعجبك