*
السبت: 06 حزيران 2026
  • 06 حزيران 2026
  • 12:34
من يصنع المزاج الاجتماعي في الأردن بين الضائقة الاقتصادية والانفلات الرقمي
الكاتب: د.آيات الشاذلي

يُعدّ المزاج الاجتماعي في أي أمة نسيجاً معقداً يتشكل من تفاعلات عميقة بين الواقع المعيشي والتصورات الذهنية، وفي الأردن، تتجلى هذه المعادلة بوضوح لافت، حيث تتشابك خيوط الضائقة الاقتصادية مع التأثيرات المتسارعة للانفلات الرقمي لتصوغ ملامح الحالة العامة. إنها ليست مجرد أرقام تُحصى، بل هي قصص يومية تُروى، وتطلعات تُبنى، وأحياناً تُهدم، في فضاء يتسع باستمرار بين شظف العيش ووهج الشاشات.

 

تُلقي التحديات الاقتصادية بظلالها الكثيفة على المشهد الأردني، فمعدلات البطالة، التي بلغت حوالي 21.3% في الربع الأول من عام 2025، تشكل تحدياً هيكلياً يمس جوهر الاستقرار الاجتماعي. ورغم الانخفاض الطفيف عن العام السابق، إلا أن الأرقام تكشف عن تباين صارخ، حيث تصل بطالة الإناث إلى 31.2%، مقابل 18.6% للذكور، مما يعكس فجوة نوعية في سوق العمل. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جامدة، بل هي أسر تعاني، وشباب يواجهون صعوبة في بناء مستقبلهم، مما يولد شعوراً بالإحباط والقلق. يتفاقم هذا الشعور مع تقديرات الفقر التي تشير إلى أن حوالي ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر، الذي يقدر بنحو 168 ديناراً شهرياً للفرد الواحد، وهي أرقام تعكس واقعاً اقتصادياً قاسياً يضغط على الطبقات المتوسطة والفقيرة على حد سواء.

 

في المقابل، يشهد الفضاء الرقمي في الأردن انفلاتاً غير مسبوق، حيث وصل عدد مستخدمي الإنترنت إلى 10.7 مليون شخص، بنسبة انتشار تتجاوز 92.5% من السكان مطلع عام 2025. كما بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 6.45 مليون شخص، أي ما يعادل 55.7% من إجمالي السكان. هذه الأرقام تعكس تحولاً جذرياً في أنماط التواصل واستهلاك المعلومات. لم تعد وسائل التواصل مجرد منصات للتسلية، بل أصبحت ساحات رئيسية لتشكيل الرأي العام، ونقل الأخبار، وتداول الشائعات، ومقارنة الأوضاع المعيشية. إنها مرآة تعكس الواقع، لكنها أيضاً عدسة قد تشوهه أو تضخمه، حيث تتسرب صور الرفاهية الافتراضية إلى عقول من يعيشون واقعاً اقتصادياً صعباً، مما يخلق فجوة بين ما يُرى وما يُعاش.

 

إن المزاج الاجتماعي في الأردن اليوم هو نتاج هذا التفاعل المعقد. فالضائقة الاقتصادية تولد شعوراً بالضغط وعدم اليقين، بينما يوفر الانفلات الرقمي مساحة للتعبير عن هذا الشعور، ولكنه أيضاً يساهم في رفع سقف التوقعات وتغذية المقارنات الاجتماعية. يصبح الفرد محاصراً بين واقع يفرض عليه قيوداً مالية، وعالم افتراضي يفتح أمامه أبواباً لا نهائية من الرغبات والاحتياجات. هذا التناقض يخلق حالة من التوتر المستمر، حيث تتأرجح المشاعر بين الأمل في التغيير والإحباط من الواقع. إن من يصنع المزاج الاجتماعي في هذه البيئة ليس جهة واحدة، بل هو خليط من المؤثرين الرقميين، ووسائل الإعلام التقليدية، والخطاب السياسي، والتجارب الفردية والجماعية التي تتفاعل وتتراكم لتشكل الوعي الجمعي.

 

لا يمكن فهم المزاج الاجتماعي الأردني بمعزل عن هذه الثنائية المتداخلة. إنها دعوة للتفكير العميق في كيفية إدارة هذه التفاعلات، وكيف يمكن تحويل التحديات الاقتصادية إلى فرص، وكيف يمكن توجيه الانفلات الرقمي ليصبح أداة للبناء لا للهدم. إنها مسؤولية مشتركة تقع على عاتق صانعي القرار، والمؤسسات الإعلامية، والمجتمع بأسره، لضمان أن يكون المزاج الاجتماعي بناءً ومحفزاً للتقدم، لا مجرد انعكاس سلبي للضغوط والتحولات المتسارعة. فالأردن، بتاريخه العريق وصمود شعبه، قادر على تجاوز هذه المرحلة، شريطة أن تُفهم هذه الديناميكيات بعمق، وتُعالج بحكمة، وتُستثمر بفاعلية نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

مواضيع قد تعجبك