*
الثلاثاء: 02 حزيران 2026
  • 02 حزيران 2026
  • 22:30
لغتي هويتي ندوة في أوتاوا تُعيد للضاد ألقها في قلوب أطفال الشتات

خبرني - في فضاءٍ كندي يمتاز ببرودته الطقسية، لكنه يفيض بـدفء الحنان القادم من حواضر العرب، احتضن "معرض أوتاوا للكتاب العربي" ندوةً حوارية تفاعلية عميقة الأثر، حملت عنواناً يلامس جرح المغترب وهواجسه: "لغتي هويتي: كيف نجعل الكتاب العربي محبوباً في قلوب أطفال الجالية العربية في كندا؟".الندوة التي أدارتها بكفاءة واقتدار الإعلامية الكندية العراقية الدكتورة صبا الحسيني، حلّت ضيفةً رئيسية عليها المهندسة والكاتبة هناء الرملي؛ الناشطة البارزة في حقل تشجيع القراءة ورئيسة جمعية "كتابي كتابك لثقافة الطفل والأسرة"، وصاحبة الموقف الثقافي المنحاز دوماً للكتاب في مؤلفها "المجد للقراء، المجد للقراءة".حضور مهيب.. والشجون اليومية تطفو على السطحلم تكن ندوة أوتاوا مجرد طقس بروتوكولي، بل تحولت إلى تظاهرة ثقافية حاشدة ضاقت بها جنبات القاعة. إذ توافد أبناء الجالية العربية من آباء وأمهات، يحملون في عيونهم قلق الغربة، وفي حقائبهم هواجس يومية يعيشونها مع أطفال يكبرون في فضاء غربي، بينما تُكافح "الضاد" لتجد لها موطئ قدم في وجدانهم.المداخلات جاءت كبوحٍ صادق؛ حيث روت أمهات قصص كفاحهن اليومي لإبقاء جمر العربية متقداً تحت سقف البيت، في حين اعترف أحد الآباء بمرارة العجز أمام سؤال طفله المباغت: "لماذا أقرأ بالعربية؟"؛ وهو سؤال يختزل برمزية حادة ثقل الاغتراب ومأزق الهوية المزدوجة. وفي المقابل، لمعت بارقة أمل في شهادة أمٍّ أتقنت طفلتها العربية والإنجليزية معاً، فكانت لغتها الأم جواز سفر قادها لفرص عمل استثنائية في كندا في سن مبكرة.تشخيص الرملي: العربية ليست "عقوبة" بل مظلة أمانبصراحة لافتة ومقاربة سردية مشحونة بالعاطفة، وضعت الرملي إصبعها على مكامن الخلل في بيوت المغتربين، واصفةً المشهد الأكثر إيلاماً:"حين تضيء عينا الطفل شغفاً أمام كتاب إنجليزي مصوّر، وتنطفئ تلك الجذوة فوراً في اللحظة التي يُطالب فيها بفتح كتاب عربي! إن المشكلة لا تكمن في أبنائنا ولا في قصور لغتنا العظيمة، بل في أننا ربطنا العربية بالواجب، والتلقين، والصارمة، بل والعقاب أحياناً، بينما تركنا اللغات الأخرى تحتل مساحات الفرح، المتعة والخيال."وشددت الرملي على أن الكتاب العربي في بلاد المَهاجر يتجاوز وظيفته التعليمية ليكون "مظلة أمان نفسية وحصناً ضد التشتت"، مؤكدة أن القصة العربية المتقنة لا تمنح الطفل مفردات جديدة فحسب، بل تزرع في داخله مرساة وجودية تقول له إن جذوره راسخة، وأن هويته مصدر ثراء لا تمزق، مما يحميه من مظاهر التنمر ويمنحه توازناً نفسياً للانخراط في مجتمعه الجديد بثقة واعتزاز.استثمار استراتيجي: الأرقام في خدمة الهويةوفي محور حظي باهتمام واسع، فككت الرملي النظرة التقليدية للعربية باعتبارها مجرد "إرث عاطفي أو تاريخي"، لتقدمها بوصفها "استثماراً استراتيجياً ومستقبلياً" عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:بوابة الفرص الاقتصادي والتقني: كندا ترتبط بعلاقات تجارية ودبلوماسية متنامية مع العالم العربي، مما يفتح للناطقين باللغة العربية مجالات واسعة في الدبلوماسية، التجارة الدولية، والترجمة. علاوة على ذلك، ومع طفرة الذكاء الاصطناعي التي تجتاح شركات التقنية في أمريكا الشمالية، تصاعد الطلب بشكل غير مسبوق على متخصصين يطورون البيانات والمدخلات باللغة العربية وفروعها.العبقرية اللغوية والرياضة الذهنية: أثبت العلم أن مرحلة ما قبل المدرسة هي "النافذة الذهبية" لاكتساب اللغات. والعربية تحديداً، لكونها لغة اشتقاقية (تتولد المعاني فيها من جذر واحد: كَتَبَ، كاتب، مكتبة)، فإنها تدرب عقل الطفل – دون أن يشعر – على أعلى مستويات التفكير التحليلي والربط المنطقي، وهي ذاتها الأدوات المعرفية التي سيحتاجها غداً للتفوق في الرياضيات والعلوم والفلسفة."وداع صامت".. خيط المشاعر المقطوع مع الأوطانوكان المحور الأشد وقعاً على قلوب الحاضرين، حين رثّت الرملي واقع الانقطاع اللغوي بين الأحفاد في كندا والأجداد في الأوطان العربية.رسمت الرملي مشهداً تدمع له العين؛ جدة تطير من بلادها محملةً بعبق السنين ودعوات الحب التي لا تُترجم، لتجد أمامها أحفاداً يحاصرهم الصمت. الحفيد لا يفهم دعاء جدته، والجد لا يسمع من حفيده كلمةً تثلج صدره.وقالت الرملي بحرارة: "حين نُهمل تعليم أطفالنا العربية، نحن لا نحرمهم من لغة، بل نقطع الخيط الرفيع الذي يربطهم بأجدادهم، بحكايات الجدات، بدعواتهم، بكل تلك الكلمات الدافئة التي تربّى عليها الآباء والأجداد وكبروا."من الإجبار إلى الاشتياق: 4 وصفات تطبيقية مرنةولم تغادر الندوة مربع التشخيص دون تقديم "وصفة علاجية" متحررة من الأساليب التقليدية الصارمة، تتلخص في أربعة حلول ذكية:المحورالآلية التطبيقية1. الجسر اللغوي المرن(المحبوب قبل المطلوب): أن يقرأ الأب مع طفله قصته الإنجليزية المفضلة، ثم يسأله بعفوية: "كيف يمكننا أن نروي هذه المغامرة لجدك بالعربية؟" لتذويب حاجز النفور.2. طقس دافئ لا حصة دراسيةتحويل القراءة إلى طقس اجتماعي مبهج؛ كقصة ما قبل النوم المليئة بالأحضان والضحك، أو "نادي القراءة العائلي"، أو "مسرح الأدوار" دون التركيز المقيت على تصحيح النحو فوراً.3. انتقاء "الكتاب المرآة"اختيار أدب أطفال عربي جديد يحاكي واقعهم؛ قصص تتحدث عن أطفال يعيشون في عالمين، يأكلون "البانكيك" تارة و"الزعتر" تارة أخرى، ليشعر أن لغته بنت حاضره وليست قادمة من الماضي البعيد.4. استثمار الرقمي والعاطفةدمج الشغف بالتكنولوجيا من خلال تطبيقات القصص التفاعلية، وجعل الطفل يسجل حكايته بصوته ويرسلها للأجداد؛ فثناء الجد وفرحته هما المحفز السحري الأقوى داخل قلب الطفل.الستار لم يُسدل بعد..وفي الشطر الأخير من الندوة، انهمرت أسئلة الآباء كشلال من المخاوف المشروعة. سأل أبٌ: "كيف نتعامل مع طفل يرفض العربية قاطعاً ويرى فيها تهديداً لانتمائه الكندي؟"، فأجابت الرملي بيقين: "الرفض في الغالب ليس رفضاً للغة، بل رفضٌ للطريقة الطاردة التي نقدّمها بها."وحين تساءلت أم بلهفة عن "السن المثالية للبدء"، أطلقت الرملي جملة دوت في أرجاء القاعة وتلخص فلسفة هذه المواجهة الثقافية بأكملها:"البداية المثالية كانت منذ سنوات.. والبداية التالية هي الآن!"

مواضيع قد تعجبك