*
الجمعة: 29 أيار 2026
  • 29 أيار 2026
  • 13:37
الوطن الذي نحمله في قلوبنا
الكاتب: د.أحلام ناصر

في كل عام نرفع الأعلام، وتعلو الأغاني الوطنية الجميلة، وتمتلئ الشوارع وتضاء المباني، ويحتفل الجميع على أرض الأردن وخارجها بالاعياد والمناسبات الوطنيه، لكن السؤال الأعمق الذي يتكرر داخلي في كل مناسبه، ما معنى أن يكون للإنسان وطن؟ هل الوطن مجرد أرض نحمل اسمها في الوثائق، أم شعور عميق يسكننا مهما ابتعدنا وتغيّرت الظروف والأماكن؟ فهمت معنى الوطن الحقيقي خلال ترحالي بين دول كثيرة، واكتشفت أن الأوطان لا تُقاس فقط بالمكان الذي تولد أو تعيش به، بل بالمكان الذي تشعر فيه أن روحك ليست غريبة، وأن هناك أرضًا تشبهك، ووجوهًا تفهم لهجتك، وذاكرة تحفظ طفولتك وتفاصيلك الصغيرة، فقيمة الوطن لا تظهر فقط في أيام الراحة والرخاء، بل في اللحظات التي يتعب فيها الإنسان ويبحث داخله عن شيء يحمي روحه من الانكسار، وعن مكان يشعر فيه أن قلبه ما زال ينتمي إليه مهما أخذته الحياة بعيدًا.
والوطن الحقيقي ليس فقط المكان الذي يمنحك جواز سفر أو هوية رسمية، بل ذلك الشعور العميق بأنك تنتمي إلى أرض تعرف اسمك ولهجتك وحكاياتك الصغيرة، وتحفظ ذاكرة طفولتك، ورائحة القهوة في بيوت أهلك، وصوت الأذان، وأغاني الفرح، وحتى تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا نشعر بقيمتها إلا عندما نبتعد عنها. وربما لهذا السبب، مهما ابتعد الإنسان أو طال به السفر، يبقى يحن ويقول دائمًا (العودة إلى الوطن)، لأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالأوراق الرسمية فقط، بل بالشعور الذي يسكن القلب تجاه المكان الذي يشبهنا ونشعر فيه أننا جزء من روحه، وفي منطقتنا العربية المليئة بالتحديات والتحولات، أصبح معنى الاستقرار بحد ذاته نعمة كبيرة، وأصبح وجود وطن آمن يحتضن الإنسان ويحفظ كرامته وطمأنينته شيئًا لا يُقدّر بثمن.
ولهذا يدرك الأردني جيدًا معنى أن يكون لديه وطن آمن، ومؤسسات تحميه، وجيش يسهر على حدوده، وأجهزة تعمل، ومجتمع ما زال رغم كل الظروف متماسكًا، فعيد الاستقلال ليس مجرد مناسبة سياسية أو احتفال عابر، بل لحظة نتذكر فيها حجم المسؤولية التي يحملها كل واحد منا تجاه هذا الوطن، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا بالأغاني أو بمنشورات مواقع التواصل، رغم ما تحمله هذه المظاهر من قدرة على تعزيز والتذكير بمشاعر الانتماء والفخر داخل الناس، بل تُبنى بالفعل الحقيقي والمسؤولية اليومية التي يؤديها كل إنسان بإخلاص، حين يزرع المعلم الوعي والقيم في طلابه، ويخلص الطبيب في أداء رسالته، ويحرس الجندي الحدود بعين لا تنام، وتربي الأم أبناءها على الاحترام والانتماء، ويختار الموظف ضميره حتى في اللحظات التي لا يراه فيها أحد.
فالوطن لا يحتاج منا أن نكون متشابهين في كل شيء، بل أن نبقى متماسكين رغم اختلافاتنا، وأن نختلف دون كراهية، وننتقد دون إساءة، ونحب هذا البلد بطريقة عملية تظهر في العمل والصدق والرحمة واحترام الناس والحفاظ على كرامتهم وصورة الوطن التي تستحقها الأجيال القادمة، ويجب الا ننسى أن أعظم ما يمكن أن نقدمه لوطننا ليس الكلام الكبير ولا العبارات الرنانة، بل الإنسان الجيد، الإنسان الذي لا يؤذي، ولا يفسد، ولا يستغل موقعه، ولا يسرق تعب الآخرين، ولا يطفئ الأمل فيمن حوله، لأن بناء الأوطان يبدأ من أخلاق الناس قبل أي شيء آخر.
وفي عيد الاستقلال، إن الوطن بيتًا كبيرًا نحمله جميعًا فوق أكتافنا، وكلما حمله أبناؤه بمحبة ووعي وإخلاص بقي أكثر قوة وتماسكًا، كل عام والأردن، قيادةً وشعبًا، بخير، وكل من يعطي لهذا الوطن بصمت وإخلاص… بخير.

مواضيع قد تعجبك