*
الثلاثاء: 26 أيار 2026
  • 26 أيار 2026
  • 17:23
هل يسعى المغرب لجذب السياح إلى الصحراء الغربية

خبرني - في مارس/آذار الماضي، تلقيت رسالة بريد إلكتروني من شركة الطيران الأيرلندية "ريان إير" تسألني إن كنت مستعداً لـ"مغامرتي المغربية القادمة".

تبدو مدينة الداخلة المغربية جذابة للغاية، وهي عبارة عن شبه جزيرة رملية حيث تلتقي الصحراء الكبرى بالمحيط الأطلسي.

في البداية كان يجب التوجه أولًا إلى مدريد، ومن هناك تبدأ تكلفة رحلات الذهاب والعودة من العاصمة الإسبانية إلى الداخلة من 30 يورو فقط (35 دولاراً).

وتتوافر في المدينة عشرات الخيارات للإقامة، من بيوت الشباب إلى المنتجعات الفاخرة الحديثة التي تُسوّق للمنطقة باعتبارها جوهرة المغرب الخفية.

لكن، على عكس ما تُروّج له الإعلانات والمواقع الإلكترونية، فإن السائح الذي يُقدم على هذه الرحلة سيجد نفسه في وسط واحدة من أطول النزاعات الحدودية المستمرة في العالم.


ذلك لأن الداخلة تقع في الصحراء الغربية، وهي منطقة تُصنّفها الأمم المتحدة على أنها "إقليم لا يتمتع بالحكم الذاتي". وهذا يعني أن السكان المحليين غير قادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم.

وبدلاً من ذلك، يخضع حوالي 80 بالمئة من الصحراء الغربية لسيطرة وإدارة جارتها الشمالية المغرب. بل ويعتبرها المغرب جزءاً من أراضيها التي تتمتع بالسيادة عليها، وتطلق عليها اسم "الأقاليم الجنوبية".

وقد سعت الأمم المتحدة باستمرار إلى إيجاد حل للنزاع المستمر منذ خمسين عاماً، كما أنها أجرت استفتاء للسكان الأصليين، لكنهم لم يتمكنوا أبداً من التصويت على مستقبلهم.

قالت منظمات حقوقية وخبراء قانونيون لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأن تسويق الصحراء الغربية وتصنيفها كجزء من المغرب يثير مخاوف جدية من منظور القانون الدولي، ويعزز شرعية "الاحتلال المغربي".

ولم ترد الحكومة المغربية على طلب التعليق من بي بي سي.

وتكشف بيانات وزارة السياحة المغربية عن ارتفاع في أعداد زوار الصحراء الغربية الخاضعة للسيطرة المغربية، بزيادة تجاوزت 50 بالمئة خلال السنوات السبع الماضية، حيث قفز العدد من 490,297 زائراً في عام 2019 إلى 743,133 زائراً في عام 2025.

ويرجع هذا الازدهار إلى توسع شبكة النقل الجوي. فإلى جانب الخطوط الملكية المغربية، الناقل الوطني، تعمل شركات طيران أخرى، مثل رايان إير وترانسافيا الفرنسية وبينتر كناريا، على تسيير رحلات مباشرة من مدريد وباريس وجزر الكناري على التوالي.

توم روك، 29 عاماً، سائح بريطاني سافر مؤخراً إلى الداخلة من مدريد على متن خطوط رايان إير.

يقول: "هناك العديد من المنتجعات قيد الإنشاء، لكنها كانت شبه خالية".

ويضيف روك أنه كان هناك "بعض السياح الآخرين الذين يقضون عطلة صيفية عائلية"، لكن "الأجواء كانت تبدو وكأنها في بداياتها".

حصل السائح البريطاني على ختم مغربي في جواز سفره، ويقول إن العلم المغربي يرفرف فوق المدينة.

يأتي هذا في وقت استثمرت فيه الحكومة المغربية بكثافة في تطوير السياحة في الصحراء الغربية خلال السنوات الأخيرة. وقد جذب هذا شركات الطيران، حيث أدرجت كل من رايان إير وترانسافيا فرنسا، وجهات داخل الصحراء الغربية كجزء من رحلاتها في المغرب.

أبلغت ترانسافيا فرنسا بي بي سي، أن الشركة "تسيّر رحلات جوية إلى الداخلة وفقاً للتراخيص التي حصلت عليها من السلطات (المغربية)".

لكن شركة رايان إير لم ترد على طلب بي بي سي الحصول على تعليق.

شركة بينتر كانارياس، الناقل الوطني لجزر الكناري الإسبانية ذات الحكم الذاتي، تخالف هذا التوجه، وتطلق على المنطقة اسم الصحراء الغربية. وتسيّر رحلات جوية إلى الداخلة وكذلك إلى مدينة العيون، أكبر مدينة في المنطقة.

يقول إريك هاجن، من منظمة "مراقبة موارد الصحراء الغربية"، إن إشارة شركات الطيران إلى الإقليم باسم المغرب أمر "مثير للقلق ومضلل".

ويضيف: "عندما تسوّق الشركات وجهاتها هناك على أنها مغربية، فإنها تُخاطر بالمساهمة في تشويه القانون الدولي والفهم العام".

ويتابع أن هذا يثير "تساؤلات جدية حول مسؤولية الشركات والقيام بالمسؤولية الواجبة في المناطق الحساسة سياسياً والمحتلة بشكل غير قانوني".

ولا يقتصر الأمر على شركات الطيران فقط، فعند البحث عن مكان للإقامة في الصحراء الغربية على ثلاثة من أكبر مواقع الحجز الدولية، وهي إكسبيديا وبوكينغ دوت كوم وتريفاغو، سنجد أنها تشير إلى أن موقع الفنادق في المغرب.

ويقول متحدث باسم بوكينغ دوت كوم: "إذا صُنفت منطقة معينة على أنها متنازع عليها أو متأثرة بالصراع، فإننا نضيف معلومات إلى منصتنا لمساعدة المسافرين على اتخاذ خيار مدروس".

وأوضح أن هذه الخطوة تتم من تقديم النصيحة لهم بضرورة "الاطلاع على إرشادات السفر الرسمية الصادرة عن حكوماتهم كجزء من عملية اتخاذ القرار. إن نهجنا هذا مُوحّد عالمياً".

يأتي هذا بينما امتنعت إكسبيديا عن التعليق، في حين تم التواصل مع تريفاغو للحصول على بيان.

تقول الدكتورة أندريا ماريا بيليكوني، الخبيرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان بجامعة ساوثهامبتون، إن شركات الطيران ومواقع الحجز "ينبغي عليها التمييز بين الصحراء الغربية كإقليم يتمتع بوضع قانوني مختلف عن المغرب".

وتضيف: "من المحتمل أن تواجه الشركات التي لا تراعي هذا الاختلاف دعاوى قضائية، ليس فقط لانتهاكها القانون الدولي وحق الصحراويين في تقرير المصير، بل أيضاً لقضايا تتعلق بحماية المستهلك وحقوق المعلومات ذات الصلة، وقواعد المنافسة العادلة بموجب قانون الاتحاد الأوروبي".

وقد أدى ضغط جماعات الحقوق المدنية إلى بعض التغييرات. ففي العام الماضي، توقفت منصة آير بي إن بي Airbnb عن الإشارة إلى أماكن الإقامة في الصحراء الغربية على أنها تابعة للمغرب.


كانت الصحراء الغربية مستعمرة إسبانية من عام 1884 إلى عام 1976. وعندما انسحبت إسبانيا، طالبت المغرب بسيادتها على المنطقة.

وسرعان ما اندلع نزاع مسلح بين المغرب والمقاتلين الصحراويين الذين شكلوا جبهة البوليساريو، مطالبين باستقلال الصحراء الغربية.

وتضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الأمم المتحدة عام 1991 خططاً لإجراء استفتاء على حق تقرير المصير، إلا أن التصويت لم يتم أبداً. واليوم، تسيطر جبهة البوليساريو على شريط ضيق شرقي البلاد.

ويقول سيدي بريكا، ممثل جبهة البوليساريو في المملكة المتحدة وأيرلندا، إن السياحة تُستغل لجعل مكالبة المغرب "أمر واقع".

ويضيف أن معظم السياح الزائرين "ليسوا على دراية كافية بالقضية برمتها".

ويؤكد أن "جميع المشاريع المنفذة في الأراضي المحتلة تمثل انتهاك لحق الشعب الصحراوي، غير القابل للمصادرة، في تقرير المصير والاستقلال، وهو حق معترف به بوضوح من جانب الأمم المتحدة".

وشدد بريكا على أن جبهة البوليساريو تراقب شركة رايان إير "عن كثب" وتدرس اتخاذ إجراءات قانونية.

في أكتوبر/تشرين الأول، صوّت مجلس الأمن الدولي لصالح مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الذي اقترحه المغرب باعتباره المقترح الانسب.

كما مدد المجلس وجود بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في الصحراء الغربية لمدة 12 شهراً إضافية.

وقادت الولايات المتحدة تحركات تبني هذا القرار، ووافقت واشنطن إبان الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، عام 2020، على الاعتراف بمطالبة المغرب بالصحراء الغربية.

ورغم هذه التطورات، لا يزال الموقف القانوني الدولي يؤكد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي متفق عليه بين الطرفين تحت إشراف الأمم المتحدة. كما رفضت جبهة البوليساريو مراراً وتكرارًا مقترح حصولها على الحكم الذاتي.

ولا يزال بريكا متمسكاً بموقفه، ويقول: "نأمل أن يدرك المغرب أن الاستثمار في السياحة أو أي مشاريع اقتصادية أخرى لا يحل محل إرادة الشعب الصحراوي وحقه غير القابل للمصادرة في تقرير مصيره".

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك