خبرني - لم تكن عبارة "اليوم غزة وغدا تركيا"، التي كُتِبَت على بعض اللوحات الإعلانية في شوارع إسطنبول خلال العامين الماضيين، تعبر عن حالة من التعاطف الوجداني فحسب، بل كانت انعكاسا خافتا للهواجس التي تسكن الرأي العام وشواغل صناع القرار في البلاد، حيث يرى كثيرون في أنقرة أن حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة لا ينبغي رفضها فقط من منطلق تضامني أو أخلاقي، ولكن من منطلق براغماتي أيضا.
لقد ألحقت الحرب على غزة أضرارا بمصالح تركيا المباشرة، وقُرأت من قبل الكثير من الدوائر في أنقرة على أنها "مقدمة دموية" لمشروع هيمنة إسرائيلي واسع النطاق بدعم أمريكي، يهدف لإعادة ترتيب موازين القوى في شرق المتوسط وتطويق تركيا. وفي خضم ذلك كله، أتت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كخطوة أخرى في مسار التدافع الذي يعيد تشكيل الإقليم، لا سيما منطقة شرق المتوسط.
بيد أنه لا يمكن فصل ما يحدث في المنطقة عن التحولات التي تضرب النظام العالمي بأسره، وأبرز معالمها التنافس المحتدم بين الولايات المتحدة والصين. فمنذ صعود تشي جين بينغ إلى سدة الحكم في بكين عام 2013، أدركت النخبة في الحزب الشيوعي الصيني أن اختراق الطوق الأمني الأمريكي لن يتم عبر مواجهة عسكرية مباشرة في المحيط الهادئ، بل عبر مبادرة للخروج بالنفوذ الصيني من قلب الصين إلى آسيا وبقية أنحاء العالم.
هذا الخروج هندسته بكين من خلال المبادرة المعروفة الآن باسم مبادرة الحزام والطريق، في استلهام لطريق الحرير الذي تشكل في العصور الوسطى ولعبت فيه الإمبراطوريات الصينية دورا مركزيا. وتهدف تلك الإستراتيجية لزيادة النفوذ الصيني عبر الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، وبخاصة في قلب آسيا، للالتفاف على الهيمنة البحرية الأمريكية في المحيطين الهادئ والهندي.
في هذا السياق لم يعد التمدد الصيني موضوعا اقتصاديا، بل أصبحت له طبيعة عسكرية أيضا، وقد ترك هذا تأثيره في الإستراتيجية الأمريكية. ففي تقرير وزارة الدفاع الأمريكية لعام 2023، أشير بوضوح إلى أن "جمهورية الصين الشعبية هي المنافس الوحيد للولايات المتحدة الذي لديه النية لإعادة تشكيل النظام الدولي، والقدرة المتزايدة على فعل ذلك"، مما دفع إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لتصنيف بكين صراحة على أنها "تحدي الوتيرة" الذي يطرح نفسه أمام البنتاغون، بمعنى أنه التحدي الذي يُجبِر الولايات المتحدة على تحديث قدراتها العسكرية بوتيرة معينة لمواكبته وإلا تخلفت عنه.
لم يقتصر القلق الأمريكي على آسيا، بل امتد إلى أدوات النفوذ الصينية المتصاعدة عالميا؛ إذ يوثق التقرير أن الحزب الشيوعي الصيني "كلف جيش التحرير الشعبي بتطوير القدرة على استخدام القوة خارج حدود الصين ومحيطها المباشر لتأمين المصالح الخارجية المتنامية لجمهورية الصين الشعبية وتعزيز أهداف سياستها الخارجية". هذا التمدد الممنهج بحسب التقرير "أدى إلى زيادة استعداد الصين لاستخدام القوة العسكرية لتعزيز مصالحها التنموية والأمنية العالمية".
محاور خنق التنين
في سعيها لاحتواء بكين دون صدام عسكري، طورت واشنطن ما يمكن تسميته "إستراتيجية الخنق المتكامل" عن طريق التحكم في المواد الخام والطاقة المتدفقة إلى الصين، والحفاظ على مكانة الدولار كعملة عالمية. وثمة 4 ركائز لهذه الإستراتيجية: أولها احتكار التفوق التكنولوجي، عبر آليات مثل "تشريع تشيبس" لعام 2022 الذي يهدف لحرمان بكين من الرقائق المتطورة، وثانيها كسر الهيمنة على سلاسل المعادن الحرجة والنادرة التي تحتكرها الصين بنسبة 90%، وثالثها حماية نظام "البترودولار" بما يضمن استمرار تفوق العملة الأمريكية بلا منازع، وأخيرا الهيمنة على الممرات الإستراتيجية والبنى التحتية والتحكم في مسارات نقل الطاقة.
وقد تجسدت هذه الركيزة الرابعة في سبتمبر/أيلول 2023 في قمة العشرين، بتدشين الممر الاقتصادي "الهند – الشرق الأوسط – أوروبا" (IMEC). ولإنجاحه دُمجت الهند في تحالف "I2U2″، الذي يضم أيضا الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وهو تحالف يعكس إستراتيجية واشنطن الأوسع لتطويق الصين. ويبدأ الممر من الهند، متخذا من شبه الجزيرة العربية نقطة عبور في طريقه إلى إسرائيل، قبل الوصول عبر البحر إلى أوروبا.
يُصنف ممر "الهند – الشرق الأوسط – أوروبا" على أنه أداة لتقليل الاعتماد على الطرق التجارية التي تسيطر عليها الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق، ويندرج ضمن جهود دولية أوسع تشمل خطة مجموعة السبع لاستثمار 600 مليار دولار في البنية التحتية العالمية لمواجهة النفوذ الصيني. ويعتمد الممر نموذج عمل يركز بالأساس على الاتصال الرقمي والتمويل، مقدما نفسه كبديل أكثر موثوقية من نموذج مبادرة الحزام والطريق الذي واجه انتقادات تتعلق بـ "فخ الديون الصينية" وفوائدها المرتفعة.
هناك فوارق شاسعة أيضا في نطاق وتمويل المبادرتين؛ فبينما تغطي مبادرة الحزام والطريق الصينية أكثر من 170 دولة، وتتطلب استثمارات ضخمة تقدر بأكثر من 8 تريليونات دولار موزعة على قطاعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، وترتبط بـ 70% من سكان الأرض، يقتصر ممر "الهند – الشرق الأوسط – أوروبا" على ما يزيد قليلا عن 20 دولة على طول طريقه. ويهدف هذا النطاق المحدود للممر لتعزيز درجة أعلى من التعاون والتكامل الإقليمي، مما يجعله خيارا يطمح ليكون أكثر استدامة على المدى الطويل.
بيد أنه لا يمكن لأي ممر يعتمد على المرور البري بالأساس أيا كان نطاقه إزاحة السيادة التاريخية للخطوط البحرية، ولذا فإن أهمية المضائق مثل هرمز وملقا، وباب المندب وغيرها تظل قائمة. لهذا السبب، يعد ما قامت به جماعة الحوثي اليمنية قرب باب المندب خلال حرب غزة، وما تفعله إيران في هرمز تهديدا لخطوط التجارة العالمية أكثر من مبادرة الحزام والطريق ذاتها.
وقد طُرحت إبان الحرب الأخيرة فرضية "الهروب من هرمز" عبر تجاوزه من خلال خطوط برية تصل إلى موانئ البحر الأحمر، وأيضا من خلال خطوط تمر عبر العراق إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. لكن المشكلة أن حجم النفط المتجه من المنطقة إلى أوروبا ضئيل بالمقارنة بالتدفقات الهائلة المتجهة نحو أسواق شرق آسيا، وأهمها الصين. ورغم أن الصين تبرز في هذا الصدد كأحد أبرز المتضررين من إغلاق مضيق هرمز، إلا أن لديها مصلحة طويلة الأمد في إضعاف السيطرة الأمريكية على نقاط الاختناق الحيوية.
عزل تركيا وتقنينه
بالعودة إلى مسألة الممرات والتي تعد كلمة السر في الخطط الأمريكية لإعادة هندسة الجغرافيا العالمية. كان من الملفت استبعاد كل تركيا ومصر من ممر "الهند – الشرق الأوسط – أوروبا"، وقد نظرت أنقرة تحديدا بعين الريبة لهذا التجاهل المتعمد لموقعها، لصالح تحويل إسرائيل إلى نقطة الارتكاز الجيوسياسية للهيمنة الأمريكية في شرق المتوسط. الأخطر من ذلك أن الساسة في واشنطن (بدعم من اللوبيات الصهيونية) يسعون لترسيخ هذا الاستبعاد عبر تشريعات الكونغرس، ما يصعب من مهمة تغيير هذا الوضع مستقبلا.
وقد دشن قانون شراكة الأمن والطاقة لعام 2019 (المعروف بقانون مينينديز-روبيو) هذا التغير الهيكلي الأمريكي، عبر التخلي عن الرهان التاريخي على تركيا بوصفها حارس الجناح الجنوبي للناتو، وبناء جدار ردع قاعدته إسرائيل مع جانبين هما اليونان وقبرص؛ وهو ما تُرجم صراحة في بنود القانون التي رفعت حظر السلاح عن قبرص، وفرضت عقوبات على أنقرة لحرمانها من حيازة طائرات "إف-35".
ويكتمل هذا المسار "الإقصائي" اليوم بمشروع قانون بوابة شرق المتوسط لعام 2026، الذي أقرته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب بشبه توافق بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري وهو قانون يهدف لتعزيز الشراكة في مجال الطاقة بين إسرائيل واليونان وقبرص مع محاولة اجتذاب مصر لهذا التحالف. ومن ثم يصبح شرق المتوسط الواقع تحت الهيمنة الأمريكية بوابة لممر "الهند – الشرق الأوسط – أوروبا".
أتت تلك التشريعات ترجمة لتوصيات مراكز أبحاث مقربة من تل أبيب، ومنها تقرير المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي المعنون بـ "بحر من التغييرات"، الذي أوصى بالتخلي عن تركيا لصالح التحالف "الديمقراطي" الإسرائيلي-اليوناني-القبرصي. ويقف وراء هذه التشريعات عرابو المحور المناهض لتركيا في الكونغرس؛ فبينما كان السيناتور بوب مينينديز يقود جهود عزل تركيا قبل استقالته على خلفية قضايا فساد، تحول فقه إقصاء تركيا إلى مهمة للخارجية الأمريكية مع تولي شريكه ماركو روبيو حقيبتها في إدارة ترمب الحالية.
بعيدا عن مينينديز وروبيو، يمتلك هذا التوجه المناهض لأنقرة العديد من المناصرين في الكونغرس. وحسب بيانات منظّمة "المجلس اليوناني-الأمريكي" فإن مجلس النواب الأمريكي يضم العديد من النواب أصول يونانية يعملون لصالح أجندة أثينا (المناهضة لتركيا) وأبرزهم النائب الجمهوري غوس بيليراكيس والنائب الديمقراطي كريس باباس (الذي برز اسمه من خلال الضغط على إدارة بايدن لمنع توريد طارئات إف-16 إلى تركيا).
كما تظهر كل من النائبة الديمقراطية دينا تيتوس، والنائبة الجمهورية نيكول ماليوتاكيس ضمن القائمة. يشتبك بعض هؤلاء النواب مع نظرائهم من المؤيدين لإسرائيل في تحالفات رسمية في الكونغرس أهمها "التحالف اليوناني الإسرائيلي" (CHIA) الذي تأسس عام 2013 بهدف دعم العلاقة الثلاثية بين اليونان وقبرص وإسرائيل، وتشجيع دعم الولايات المتحدة لهذه العلاقات.
ويمكن القول إن هذه التشريعات المناهضة لأنقرة، تستهدف في الوقت ذاته ترسيخ نفوذ إسرائيل في بيئتها الإقليمية في شرق المتوسط بدعم أمريكي، وكسر عزلتها من خلال الانخراط في تحالف متين مع قبرص واليونان، ومحاولة اجتذاب فاعلين آخرين لهذا التحالف في مقدمتهم مصر.
العازل الحازم
لفهم دوافع التحركات التركية، يجب تفكيك تحول أنقرة من دور "العازل الهامشي" إلى "العازل الحازم". والعازل الهامشي هو كيان جيوسياسي يقع على تخوم تقاطعات أمنية متعددة، ويلعب دور "المصد السلبي" الذي يفصل بين الأقاليم المشتعلة ويمتص صدماتها، وهو بذلك يظل خارج معادلة التحالفات العضوية، مكتفيا بتلقي التأثيرات الإقليمية دون القدرة على تشكيلها أو قيادة التفاعلات داخلها (وكانت تركيا عازلا بين الشرق الأوسط وأوروبا في وقت سابق، وبين وسط آسيا شرقا والبلقان غربا، وبين روسيا شمالا والبحر المتوسط جنوبا).
على أن تركيا بدأت تتحول إلى ما تصفه الأدبيات بـ "العازل الحازم"؛ وهي دولة تمتلك طموحات إقليمية كبرى وإن كانت مقيدة هيكليا بواقع جيوسياسي يستبعدها. هنا لا تنظر أنقرة إلى اكتشافات الغاز في المتوسط على أنها سلعة اقتصادية فحسب، بل بوصفها أداة في إستراتيجيتها لتكريس موقعها مركزا للطاقة.
ولتجاوز حائط الصد المتمثل في التحالفات المناهضة لها، تتبنى أنقرة عقيدة "الوطن الأزرق" التي تهدف لتوسيع نفوذها في المياه المحيطة بها، ولم تتردد في اللجوء إلى دبلوماسية التحركات البحرية البعيدة لحماية جرفها القاري، وهو ما تجلى مثلا في وصف الرئيس أردوغان للشركات الغربية المنخرطة في كشوفات الغاز بشرق المتوسط بأنهم "لصوص البحر".
على الجهة المقابلة، تُقرَأ هذه التحركات في بعض العواصم الغربية وتل أبيب بعداء شديد؛ إذ يُنظَر إلى "الوطن الأزرق" باعتباره "عقيدة توسعية هجومية". ولمواجهة أنقرة، يترسخ تحالف اليونان وقبرص وإسرائيل يوما بعد يوم، وفي خضم الاستقطاب الحاد، تحافظ إستراتيجية واشنطن على تنافس فوضوي يستنزف الجميع.
الخطر الأكبر في هذا المشروع الإقصائي أنه لا يتوقف عند محاولات التهميش، بل يضع تركيا مباشرة في دائرة الاستهداف. وبحسب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، فإن دولته بعد الانتهاء من المحور الشيعي، تتجه نحو "المحور السني الناشئ"، معتبرة التفاهمات التي تتشكل حديثا بين تركيا ومصر وباكستان والسعودية التهديد التالي.
هذا التطويق الإستراتيجي الذي حول المتوسط إلى ما يشبه جدار عزل لتركيا، يدفع أنقرة لامتلاك أوراق أكثر، وتدشين حضور أكبر على البحر المتوسط عبر تعظيم نفوذها في سوريا ولبنان. سارعت تركيا أيضا لتقديم بدائل إستراتيجية صلبة عبر الشام والعراق، فإلى جانب مشروع طريق التنمية الإستراتيجي الذي خُصص لنقل البضائع والطاقة بين العراق وتركيا، أقدمت أنقرة على توقيع مذكرة تفاهم محورية مع سوريا والأردن في أبريل/ نيسان الماضي لإحياء خط سكة حديد الحجاز.
ويهدف هذا التحرك إلى ربط موانئ تركيا وسوريا بميناء العقبة الأردني ثم بالسعودية لاحقا، ليكون الشريان البري-البحري السريع الذي يربط أوروبا بالخليج، وهو المخرج الإستراتيجي الأهم لتركيا لتجاوز الطوق الجيوسياسي الذي تحاول إسرائيل فرضه عليها بدعم أمريكي.
صعوبات على طريق "الوطن الأزرق"
في ظل هذا الاضطراب في النظام الإقليمي، تبدو مساعي التقارب بين أنقرة والقاهرة ضرورة جيوسياسية، وهو ما يدركه الطرفان بوضوح. غير أن التحول من مربع التطبيع الدبلوماسي إلى التنسيق الأمني المفتوح يضع العاصمتين أمام حقل ألغام. فبينما كان قانون 2019 الأمريكي يركز على رسم الحدود الأمنية الخشنة لتطويق تركيا، جاءت مسودة قانون 2026 لتلعب لعبة أخطر عبر استخدام الاقتصاد والممرات. إذ ينص القانون على تصنيف مصر كدولة شرق أوسطية متوسطية ضمن الممر؛ وهي خطوة تهدف في جوهرها إلى تعميق الهوة بين مصر وتركيا ومحاولة ترسيخ اعتمادها على تحالف الطاقة الإسرائيلي اليوناني القبرصي.
فيما يتعلق بلبنان، تدرك أنقرة أن بيروت باتت تمثل ساحة رديفة في التدافع الجيوسياسي لشرق المتوسط؛ حيث تتحول إلى ساحة اختبار لتطبيق عقيدة "الوطن الأزرق" التركية التي تساوي بين السيادة على المياه واليابسة. ففي مواجهة استبعادها السابق من منتدى غاز شرق المتوسط، سعت تركيا لكسر عزلتها وتقويض التحالف الإسرائيلي-القبرصي-اليوناني عبر عرض تقديم المساعدة الفنية لبيروت في ترسيم مناطقها الاقتصادية الخالصة (EEZ).
تجلى هذا التنافس المحموم حين عرضت أنقرة استخدام ميناء مرسين بديلا لمرفأ بيروت عقب حادثة انفجاره. ولتثبيت موطئ قدم لها، لجأت أنقرة للتحرك عبر وكالة "تيكا" مستهدفة الشمال اللبناني، ثم توسعت فيما بعد في بيروت عبر تقديم خدمات صحية وتعليمية وثقافية. ورغم هذا النجاح الشعبي النسبي، عانت تركيا من محدودية تأثيرها في قرارات الدولة اللبنانية مقارنة بالنفوذ الإيراني أو الغربي.
جاء التعبير الأبرز عن أهمية لبنان بالنسبة لتركيا حاليا، عندما حذر كونور ألب كوتشاك، نائب البرلمان عن حزب الحركة القومية التركي، من "عمليات خبيثة" تستهدف تطويق الدولة التركية، وذلك في معرض تعليقه على المرسوم الرئاسي المتعلق بتمديد ولاية عناصر القوات المسلحة التركية العاملة في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
علق كوتشاك آنذاك قائلا: "بالنظر إلى المخاطر والتهديدات الراهنة، يتضح جليا أن دفاعنا وأمننا القوميين يجب أن يبدآ من خارج حدودنا، لذلك لا ينبغي النظر إلى أمن بيروت وهضبة الجولان ودمشق وكركوك وبغداد بمعزل عن أمن هطاي وأورفا وقونية وإزمير". وأضاف: "من الواضح أن وجود تركيا في مهمة حفظ السلام يجب أن يؤخذ في الاعتبار في سياق التوازن الجيوسياسي في شرق المتوسط وقضية قبرص. فلبنان يقع في قلب حوض الطاقة في شرق المتوسط والنزاعات على السيادة البحرية، وتسعى إسرائيل والإدارة القبرصية اليونانية واليونان وبعض الدول الغربية إلى إنشاء منطقة جيوسياسية تستبعد تركيا".
تدرك أنقرة أن هذا التصعيد جزء من إعادة هيكلة إقليمية، فإذا نجحت إسرائيل في دمج بيروت قسرا في الترتيبات الأمنية للمتوسط (من خلال المساعي الراهنة لتطبيع العلاقات أو إي إطار آخر)، فإن الحصار اللوجستي الإسرائيلي سيُطبق بالكامل على سواحل الأناضول الجنوبية. ولذا، يمثل "الدفاع عن الساحة اللبنانية-السورية" معركة وجودية لتركيا لمنع تحويل شرق المتوسط إلى بحيرة أمنية تسيطر عليها تل أبيب.
لضمان الخروج بأكبر مكاسب جيوسياسية، تمضي أنقرة في سياسة تفصل بين التكتيكي والاستراتيجي، بحيث تترك الجنوب المشتعل بالمواجهة ضد إسرائيل، بينما تركز على الاستثمار في الحاضنة الديمغرافية والمؤسسية للسنة في بيروت وطرابلس. في ظل هذا التدافع، جاءت زيارات الرئيس التركي في فبراير/شباط 2026 إلى كل من مصر والسعودية لتشكل محاولة لاختراق الجدار الدبلوماسي.
فأنقرة تدرك أن تفكيك مشروع الهيمنة اللوجستية الإسرائيلية يتطلب جذب الثقلين الأكبر عربيا، القاهرة والرياض وانحيازهم لرؤيتها. وتتمثل المناورة التركية في إقناع الحليفين العربيين أن الهروب من "التهديد الإيراني" في هرمز لا يتطلب التجاوب مع الخطط الأمريكية، وأن هناك ممرات وخططا بديلة تضمن استقلال ومصالح الجميع.



