*
الاحد: 17 أيار 2026
  • 17 أيار 2026
  • 12:43
هل اصبح المهرج أكثر تأثيرا من المعلم
الكاتب: زهير الشرمان

خبرني - عند استدعاء عصر من عصور الانحدار الفكري، يطفو قوم كما يطفو زبد البحر، يجيدون فن الصراخ أكثر مما يجيدون التفكير ويبرعون في اجتذاب العيون حولهم أكثر مما يملكون القدرة على إيقاظ العقول، حينما تضعف الأمم ويتراجع سلطان العلم ويقدم أهل اللهو والزيف إلى الواجهة يصير التافه نجما ويصبح العاقل غريبا في قومه.

وما يحدث اليوم ليس مجرد تغير في وسائل الإعلام أو أدوات الشهرة، بل انقلاب خطير في موازين القيمة ذاتها لقد كان المرء يعرف قديما بعلمه أو خلقه أو أثره الإيجابي في الناس، أما اليوم فقد بات يعرف بفضيحة أو برقصة تؤدى خلف أبواب الستر أو بصرخة فارغة أو بمشهد يثير الغرائز الرخيصة ثم لا يلبث أن يصبح "مؤثرا" يستضاف ويقدم ويعامل وكأنه صاحب رسالة وفكر.

أي زمان هذا الذي يدفع فيه الإنسان دفعا إلى التساؤل: لماذا أتعب نفسي في طلب العلم؟ 
ولماذا أسهر الليالي على الكتب والبحث والتخصص؟ 
ولماذا أقطع سنوات العمر في بناء نفسي؟
 بينما يستطيع آخر أن يقف أمام كاميرا لبضعة أيام او عدة ساعات فيحصد المال والشهرة وربما لاحقا يجلس على موائد القرار وتفتح له المنابر التي أغلقت في وجه كثير أهل الفكر والخبرة النافعة؟

إنها فتنة العصر الكبرى، فتنة تحويل الشهرة الرخيصة إلى معيار لتصدر المجالس الرقمية وجعل الانتشار دليلا على القيمة حتى غدا عدد المتابعين عند بعض الناس أرفع شأنا من وزن الفكرة وعمق المعرفة.

وليس الذنب كله على أولئك المثرثرين فالتافه لا يصنع نفسه وحده، بل تصنعه بيئة تصفق له وإعلام يضخمه وخوارزميات تكافئ كل ما يثير الغرائز  والتفاهات التي تخدر العقول.
فالمنصات لا تسأل:
 من الأعلم؟
 بل تسأل: من الأكثر جذبا للانتباه؟ 
ومن يستطيع إبقاء الناس معلقين بالشاشة ولو عبر التفاهة والابتذال؟
وهكذا شيئا فشيئا تتحول الجماهير من أمة تقرأ لتفهم إلى شعوب تشاهد لتنسى.

لقد أضحى كثير من الناس يهربون من الفكر الجاد كما يهرب الطفل من الدواء المر لأن عقولهم أغرقت ليل نهار بمحتوى سريع  وسطحي لاهث خلف الإثارة فإذا قدمت لهم فكرة عميقة قالوا "مملة" وإذا قدم لهم تحليل يحتاج إلى تأمل قالوا: "طويل" وكأن العقول فقدت قدرتها على الصبر والتفكير.

وما أخطر أن تفقد الشعوب احترامها للعلم بالتدريج لأن الامم لا تسقط  بالجوع والحروب فحسب ، بل تهوي أيضا حين يصبح العالم مجهولا والرديء نجما جماهيريا.

لقد كان العلماء في عصور القوة والتنوير قادة للرأي والفكر وكانت الأمة ترى فيهم ضميرها وعقلها، أما حين تنقلب الموازين فإن الواجهة تمتلئ بمن يتقنون اللهو ويحسنون دغدغة الغرائز ويعرفون كيف يصنعون الضجيج الوضيع.

ومع ذلك فليس من العدل التعميم فما زال هناك من يقدم محتوى نافعا ويقاوم هذا الانحدار بشرف وصبر ويكافح وسط حرب خلفت حطاما من الثقافة المبتذلة. 
ما زالت هناك عقول تحاول أن توقظ الناس
 لا أن تخدرهم ومنصات تحمل معرفة حقيقية 
لا مجرد صخب عابر وأشخاص يؤمنون 
بأن الكلمة رسالة لا وسيلة لجمع المشاهدات.

فشتان بين الترفيه المشروع وبين صناع التفاهة كالفرق بين الماء الآسن والنهر الجاري فالترفيه استراحة للعقل أما التفاهة المستمرة فهي اغتيال بطيء له.

والمصيبة الأكبر حين تدخل بعض المؤسسات الإعلامية والرسمية هذا السباق المحموم فتستبدل أهل الخبرة بأصحاب الترند والشعبية الرقمية وتقدم من يملك ملايين المتابعين على من يملك ملايين الأفكار. 

عندها يصبح المجتمع كالسفينة التي سلمت قيادتها لمن يجيد الرقص فوق سطحها، لا لمن يعرف كيف ينقذها من الغرق.

إن الحضارات والثقافات لا تبنى بالجعجعة ولا تقوم على الإثارة الهابطة ولا تصنعها الوجوه التي تلمع سريعا ثم لا تلبث أن تنطفئ سريعا.
الحضارات يبنيها الصابرون على العلم وحملة منارات الأخلاق والعاملون بصمت خلف الكاميرات وأولئك الذين يدركون أن بناء الإنسان أصعب بكثير من جمع المشاهدات.

سيبقى أهل الصخب يملؤون الشاشات والمنصات زمنا وستظل أسواق التلوث البصري والصوتي ترفع من يبيع الوهم أسرع مما ترفع من يبيع الفكر النافع لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح.
ستتساقط أسماء الذين ألهوا الناس زمنا بينما يرتفع وهج أسماء الذين أنقذوا العقول من الغرق.

فاحذروا زمنا يصبح فيه المهرج أكثر تأثيرا من المعلم لأن الأمة التي تضحك طويلا على جراحها  تبكي طويلا على مستقبلها.

مواضيع قد تعجبك