*
الاحد: 17 أيار 2026
  • 17 أيار 2026
  • 00:31
ليس النفط وحده كيف يمكن لإيران خنق إنترنت العالم من مضيق هرمز

خبرني - لعقود طويلة ارتبطت الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز والممرات البحرية في الشرق الأوسط بتدفقات النفط وإمدادات الطاقة، لكن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، برز إلى الواجهة تهديد جديد يستهدف البنية التحتية للاقتصاد الرقمي العالمي.

ويتلخص هذا التهديد فيما أشارت إليه وسائل إعلام إيرانية أخيرا بشأن احتمال تحوّل الكابلات البحرية في الخليج إلى أهداف محتملة، وطرحت فكرة السيطرة على كابلات الإنترنت وفرض رسوم على مشغليها بوصفها ورقة ضغط قد تكون مفيدة في مرحلة ما، وهو أمر لا يقل حساسية عن عرقلة حركة الملاحة والتجارة عبر المضيق.

تصعيد متدرج وخطة مالية
لم يُطرح التهديد فجأة، بل جاء ضمن تصعيد إعلامي متدرج، ففي 24 أبريل/نيسان الماضي، نشرت وكالة "فارس" الإيرانية مقالا تحت عنوان "عنق زجاجة هرمز.. حيث إنترنت المنطقة معلق بشعرة".

ووصفت الوكالة الكابلات البحرية في عمق المضيق، التي تعتمد عليها مساحة كبيرة من الاتصالات الرقمية الإقليمية، بأنها "بنية تحتية خفية يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية".

وترافق ذلك مع طرح وكالة "تسنيم" زاوية قانونية، تشدد على أهمية ما سمتها "الحوكمة القانونية" لهذه الكابلات، مشيرة إلى إمكانية تنظيم مرورها وصيانتها وفرض رسوم عليها ضمن صلاحيات الدول الساحلية.

وبلهجة تصعيدية، حذرت الوكالة ذاتها من أن استهداف كابلات الألياف الضوئية في هرمز قد يشل إنتاج النفط وصادراته، ويعطل الأسواق المالية والنقدية لدول خليجية، في إشارة صريحة تقدّم الكابلات البحرية بوصفها جزءا جديدا من معادلة الردع والضغط السياسي.


هشاشة البدائل
وخلافا لتصور البعض أن الإنترنت مجرد سحابة افتراضية، تؤكد الباحثة ميريديث بريمروز جونز في مقالها على موقع "ذا كونفرزيشن" أن الشبكة تعتمد فعليا على بنية مادية تتألف من أكثر من 500 كابل بحري، تنقل أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية، وهي نسبة تصل إلى نحو 99%، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات التي نقلتها وكالة رويترز.


وتكمن المعضلة في أن هذه البنية التحتية الكبيرة تتركز في مسارات جغرافية معيَّنة، إذ يتجمع العديد من هذه الكابلات ليمر عبر ممرات مائية ضيقة مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، مما يخلق ما يُعرف إستراتيجيا بـ"الاختناقات الرقمية".

ويبرز هنا قلق خليجي، إذ يشير تقرير لوكالة رويترز إلى أن دول المنطقة تستثمر مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي، وتعتمد بدرجة كبيرة على كابلات محورية تمر عبر هرمز، مثل "إيه إيه إي-1″ و"فالكون" .

ورغم التطور التكنولوجي السريع، فإن خبراء نقلت عنهم رويترز يشيرون إلى أن أنظمة الأقمار الصناعية، مثل "ستارلينك"، لا تشكل بديلا عمليا للكابلات البحرية من حيث التكلفة والقدرة على استيعاب حجم البيانات الهائل، بل تظل مجرد حلول مكملة.

وتوضح الباحثة جونز أن الصراع الأمريكي الإيراني تسبب بالفعل في تأخير إنشاء كابلات جديدة، مما يفاقم هشاشة الشبكة.

وتلفت خبيرة الجغرافيا السياسية ماشا كوتكين، في حديث لرويترز، إلى خطر "الضرر غير المقصود"، مؤكدة أنه كلما طال أمد النزاع ارتفع احتمال وقوعه.

وقد حدث هذا بالفعل عام 2024، حين انجرفت سفينة تجارية استهدفتها جماعة أنصار الله في البحر الأحمر، وسحبت مرساتها من قاع البحر، فقطعت كابلات حيوية.

سلاح ذو حدين
ورغم خطورة التلويح بقطع الكابلات، فإن الواقع الميداني يكشف عن مفارقة تجعله "سلاحا ذا حدين"، فإيران نفسها مرتبطة بهذه الشبكة عبر نظام كابلات "جي بي آي"، مما يعني أن أي تخريب سيمتد تأثيره إلى اتصالاتها واقتصادها أيضا.

ويزيد المشهد تعقيدا أن الكابلات البحرية تتعرض أصلا لنحو 150 إلى 200 عطل سنويا في العالم، يعود 70% إلى 80% منها إلى أنشطة بشرية عرضية مثل صيد الأسماك وسحب المراسي، وفق بيانات "اللجنة الدولية لحماية الكابلات".

هذا الأمر يجعل إثبات التعمد أمرا بالغ الصعوبة، وهو بحد ذاته ورقة في يد أي طرف يريد الإضرار بهذه البنية التحتية تحت غطاء "الحادث العرضي"، وهو غموض تحذر الباحثة ميريديث جونز من أنه يفتح الباب أمام "تصعيد عسكري غير محسوب".

وبعيدا عن التورط في القطع الفعلي، تملك إيران سلاحا صامتا يتمثل في "التصاريح"، إذ يمكنها ببساطة المماطلة في منح الموافقات لسفن الصيانة، مما يحوّل أي عطل عرضي إلى أزمة طويلة الأمد دون إطلاق رصاصة واحدة.

ويوضح مدير الأبحاث في "تليجيوغرافي" آلان مولدين لوكالة رويترز أن "إحدى أكبر مشكلات الإصلاح هي الحصول على تصاريح الدخول إلى المياه حيث يقع الضرر، وهو أمر قد يستغرق وقتا طويلا".

صدمات اقتصادية وشلل عسكري
تتجاوز التداعيات مجرد بطء التصفح لتضرب العصبين العسكري والمالي، ففي مقال نشره المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، يرى روبرت مجاه أن الاقتصاد الحديث لم يعد يفرق بين "تدفقات السلع" و"تدفقات المعلومات"، مشيرا إلى أن أي انقطاع سيُحدث صدمات فورية في الأسواق المالية وتأخيرا في المعاملات المصرفية.

وعلى الصعيد العسكري، تعتمد القوات المسلحة بدرجة كبيرة على هذه الكابلات في أنظمة القيادة والسيطرة وتسيير الطائرات المسيّرة، مما يجعل المساس بها تهديدا مباشرا للأمن القومي وفرص التنسيق بين الحلفاء.

"حرب الاتصال"
تعكس هذه التهديدات تحولا ملموسا في طبيعة الصراعات الحديثة، إذ يشير المحلل الإستراتيجي أومود شكري -في مقال بموقع "فيرست بوست" – إلى أن مرحلة "ما بعد الحرب" ستشهد ما يسميها "حرب الاتصال". وفي هذا النوع الجديد من النزاعات، لن تتصارع الدول للسيطرة على الأراضي، بل للتحكم في الشبكات التي تربط العالم.


ويوضح شكري أن الدول التي تتحكم في البنية التحتية لهذه الشبكات تمتلك سلاحا مزدوجا: القدرة على المراقبة الشاملة وجمع المعلومات، واستخدام هذه المسارات "نقاط خنق" لعزل الخصوم وحرمانهم من الوصول إلى العالم الرقمي.

وبهذا المعنى، فإن التلويح الإيراني المتدرج بالسيطرة على الكابلات البحرية في مضيق هرمز يكشف عن اتساع خطير في خريطة نقاط الضعف العالمية، فالعالم الذي اعتاد القلق من احتجاز ناقلات النفط في المضيق، يواجه اليوم كابوس "الاختناق الرقمي" الذي يهدد بشل اقتصادات كاملة في لحظات.

مواضيع قد تعجبك