*
الخميس: 14 أيار 2026
  • 14 أيار 2026
  • 10:53
الإعلام وصناعة الأصنام كيف تنهار المجتمعات من الداخل
الكاتب: محمد السنيد

​لا يُقاس رقيّ المجتمعات بمدى انتشار الأدوات التقنية فيها، بل بنوعية القيم التي تُبث عبر هذه المنصات؛ فالتاريخ يخبرنا أن الإعلام وُجد ليكون منبراً للحقيقة ومعياراً للرقابة، لكننا اليوم أمام ظاهرة تستدعي القلق العميق، تتمثل في تحول بعض القنوات الفضائية والمنصات الرقمية إلى "مختبرات" لصناعة نجومية وهمية لشخصيات تفتقر للمحتوى القيمي والكفاءة المهنية. حيث يتم تلميع هذه النماذج وتصديرها كقدوات مجتمعية رغم تناقض سلوكياتهم الصارخ مع الثوابت الأخلاقية والتربوية، وما يعمق هذا الجرح هو الشعور المتزايد لدى الأردنيين بحالة من الزعزعة في معايير الإدارة العامة، جراء الانطباع السائد بأن بعض الممارسات الإعلامية والسلوكية الدخيلة باتت تحظى أحياناً برعاية أو دعم غير مدروس العواقب من قبل بعض الجهات، مما يمنح هؤلاء "الأصنام" شرعية وهمية توحي للعامة بأنهم فوق مستوى النقد أو المساءلة.
​لقد تجلى هذا الانحدار الإداري في التوسع المريب باستحداث هيئات ومؤسسات مستقلة، أو تحويل دوائر حكومية عريقة إلى كيانات منفصلة تُفصّل مهامها ومزاياها لتناسب مقاسات أشخاص بعينهم كنوع من "الاسترضاء والتنفيع"، في وقت يُطالب فيه المواطن بالصبر على سياسات التقشف الحكومي التي مست لقمة عيشه ورفعت أسعار المحروقات والمواصلات والسلع الأساسية. إن الاستمرار في هدر الأموال العامة على كيانات "تنفيعية" لا طائل منها، بينما تزداد معدلات الفقر والبطالة، يمثل استفزازاً مباشراً لكرامة الناس وضرباً في مقتل لثقتهم بالمنظومة كاملة. والأدهى من ذلك هو بقاء بعض الشخصيات في مواقع المسؤولية لفترات طويلة رغم أن أداءهم بات مشهوداً له بالتراجع والتردي، ليتحولوا إلى مراكز قوى تمارس التجاوزات دون خشية من رقابة، وكأن حظوتهم الإعلامية أو رعاية بعض الجهات لهم تمنحهم حصانة ضد مبدأ المساءلة القانونية أو الأخلاقية.
​إننا نُحذر من مغبة الاستمرار في هذه السياسات غير المدروسة التي لا تلقى قبولاً شعبياً، ونطالب بوقفة وطنية جادة لإعادة تقييم المرحلة السابقة بعقل الدولة البارد والحريص؛ فالمطلوب اليوم هو تفعيل حقيقي وصارم لمبدأ "المتابعة والتقييم والمساءلة"، فمن غير المقبول أن تُمنح مظلات الدعم لنماذج تسيء للقيم العامة أو تمس بسلامة الفئات المستضعفة من الأطفال والقُصّر تحت أي ذريعة. إن الوطن الذي يواجه تحديات اقتصادية جسيمة لا يملك ترف "صناعة الأصنام" وتكريس الشخصنة على حساب المؤسسية، وحماية أجيالنا من هذا التلوث القيمي والإداري هي الأولوية القصوى لضمان بقاء الدولة حصينة ومستقرة، بعيداً عن زيف الشاشات ومصالح التنفيع الضيقة التي تقتات على حساب الوعي العام ومستقبل البلاد.

مواضيع قد تعجبك