من هنا نبدا بالقول إن وسائل الإعلام تعتبر الأكثر تأثيرا في المجتمعات الحديثة، حيث أن مهمتها ما عادت مقتصرة على إعداد الأخبار والمعلومات وتوريدها للمشاهد، بل أصبحت ألاداه الرئيسية في تشكيل الرأي العام وتوجيهه. فوسائل الإعلام بمختلف أشكالها ؛ التقليدي كالصحف والتلفزيون والإذاعة، والحديث منها مثل مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في أفكار الأفراد واتجاهاتهم ومواقفهم وتوجيههم اتجاه القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
ويبدوا جليا تأثير وسائل الإعلام في الرأي العام من خلال طريق عرض الأخبار وتحليلها، وطرق واختيار القضايا التي يتم التركيز عليها، ويتعدى ذلك إلى الأسلوب الذي تُقدَّم به المعلومات. فهنا نجد بعض الوسائل الإعلامية تساهم في نشر الوعي والثقافة وتعزيز التفكير النقدي وتوجيهه، في الجانب الآخر قد تلجأ وسائل أخرى إلى التهويل أو التضليل أو نشر الأخبار المفبركة لتحقيق أهداف سياسية أو تجارية أو أيديولوجية. واليوم وبعد هذا الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي الذي أدى إلى تسارع انتقال المعلومات، مما جعل الجمهور أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى الإعلامي، سواء كان صحيحًا أم مضللًا.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أخطر القضايا المرتبطة بالإعلام اليوم مسألة استضافة من يُقدَّمون على أنهم “خبراء” أو “محللون” دون امتلاكهم المؤهلات العلمية أو المهنية المناسبة لموضوع الحلقه أو المقابله . فنجد كثير من البرامج الحوارية تسعى إلى الإثارة وزيادة نسب المشاهدة أكثر من سعيها إلى تقديم معرفة دقيقة وموضوعية، مما يؤدي أحيانًا إلى تضليل الجمهور وإرباك الرأي العام. إذ قد يتم استضافة أشخاص لا يملكون تخصصًا حقيقيًا في القضية المطروحة، لكن يتم تقديمهم بوصفهم خبراء بهدف التأثير في المتلقين أو توجيه النقاش نحو اتجاه معين.
وتكمن خطورة هذا الأمر في أن الجمهور غالبًا يثق بما يُعرض في وسائل الإعلام، خاصة عندما يُقدَّم المتحدث بصفة أكاديمية أو مهنية. وعندما يتم استضافة أشخاص غير مؤهلين، فإن ذلك ينعكس سلبًا على وعي المجتمع، ويؤدي إلى انتشار معلومات غير دقيقة أو آراء متحيزة. كما أن هذا النوع من الاستضافات قد يُستخدم لخدمة أجندات سياسية أو اقتصادية، فيتحول الإعلام من وسيلة للتوعية إلى وسيلة للتلاعب بالعقول وصناعة اتجاهات وهمية للرأي العام.
ومن هنا لابد من التنويه إلى أن الإعلام لكي يؤدي دوره الحقيقي، لا بد من الالتزام بالمهنية والموضوعية، واختيار الضيوف وفق معايير الكفاءة والخبرة الحقيقية، مع منح الفرصة لعرض مختلف الآراء بصورة متوازنة . كما يتحمل الجمهور نفسه مسؤولية التحقق من المعلومات وعدم الانسياق وراء كل ما يُطرح في وسائل الإعلام دون تفكير أو تمحيص. فالإعلام سلاح ذو حدين؛ يمكن أن يكون وسيلة للبناء ونشر الوعي، كما يمكن أن يصبح أداة للهدم والتضليل والتأثير السلبي في الرأي العام إذا غابت عنه المسؤولية المهنية والأخلاقية.
بقلم
الرائد المتقاعد وليد الزويري



