خبرني - واصل نجوم الفن والسياسة والمجتمع في مصر رثاء الفنان عبد الرحمن أبو زهرة، الذي توفي بعد مسيرة فنية ثرية بالأعمال الدرامية المميزة.
وأشاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمسيرة أبو زهرة الفنية الطويلة وما قدمه من أعمال وصفها بأنها "قيمة ومتميزة" في المسرح والسينما والتلفزيون.
وقال السيسي، في منشور عبر صفحته الرسمية على موقع "فيسبوك"، إن الفنان الراحل "أمتع الجماهير بأعماله الراقية"، معرباً عن خالص تعازيه لأسرة الفنان ومحبيه، ومؤكداً أن مصر فقدت أحد أبرز رموزها الفنية الذي ترك أثراً واسعاً في وجدان الجمهور العربي.
كما نعت نقابة المهن السينمائية في مصر، ووزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي، الفنان الراحل، مؤكدتين أنه رحل بعد "مسيرة فنية وإنسانية حافلة بالعطاء والإبداع"، وأنه ترك إرثاً كبيراً في المسرح والدراما والإذاعة والسينما على مدار عقود.
ومن المقرر تشييع جنازة الفنان الراحل اليوم الثلاثاء، فيما سيقام العزاء الأربعاء في أحد مساجد القوات المسلحة بشرق القاهرة.
وكان الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة قد غيبه الموت مساء الإثنين 11 مايو/آيار، عن عمر ناهز 92 عاماً، بعد صراع مع المرض، بحسب ما أعلنه نجله أحمد أبو زهرة عبر حسابه على موقع "فيسبوك".
طالب خجول
عاش عبد الرحمن أبو زهرة طفولة هادئة، وكان معروفاً بخجله الشديد واهتمامه بالدراسة والتفوق العلمي. ولم يكن التمثيل ضمن خططه المبكرة، حتى حصل خلال المرحلة الثانوية على الميدالية الذهبية في التمثيل، وهي اللحظة التي شكلت نقطة تحول في حياته.
كما تحدث في لقاءاته عن خوفه من الامتحانات الشفوية بسبب ارتباكه أمام المدرسين، في حين كان شديد التميز في اللغة العربية، متأثراً بوالده الذي عمل مدرساً للمادة نفسها وغرس داخله حب اللغة.
وكان مدرس اللغة العربية أول من آمن بموهبته، وشجعه على التقدم إلى المعهد العالي للفنون المسرحية. وبحسب ما رواه أبو زهرة في لقاءات تلفزيونية، فقد التحق بالمعهد من دون علم أسرته، خاصة أن شقيقيه كانا يتكفلان بالإنفاق عليه بعد وفاة والديه.
ورغم شغفه بالفن، عمل بعد تخرجه موظفاً في وزارة الدفاع (الحربية آنذاك)، قبل أن ينضم سريعاً إلى المسرح القومي، الذي شهد انطلاقته الحقيقية.
المسرح والوصية
مر جثمان أبو زهرة من أمام المسرح القومي بوسط مدينة القاهرة وذلك تنفيذا لوصيته، قبل تشييع جثمانه عقب صلاة الظهر اليوم الثلاثاء من مسجد الشرطة بمدنية الشيخ زايد، غربي القاهرة.
وكان أبو زهرة قد أوصى بأن يمر جثمانه بالمسرح القومي لتعلقه الشديد بالمسرح، كما أوصى أن يمر من أمام مسجد الحسن بن علي.
بدأ أبو زهرة مشواره المسرحي من خلال مسرحية "عودة الشباب" لتوفيق الحكيم. وعُرف بانضباطه الشديد واعتماده الكامل على فهم الشخصية والتعايش معها نفسياً، وكان يقول إنه لا يدخل البروفات أو التصوير وبيده ورقة.
ترك أبو زهرة بصمة واضحة في المسرح المصري والعربي، ومن أبرز محطاته بطولة مسرحية "بداية ونهاية" عام 1959، المأخوذة عن رواية نجيب محفوظ، والتي حقق من خلالها نجاحاً لافتاً، أعقبته مشاركته في "المحروسة".
كما شارك في عدد من المسرحيات المهمة، من بينها "ياسين وبهية" و"الحسين ثائراً".
ويُعد دوره في مسرحية "زهرة الصبار" عام 1967 من العلامات الفارقة في مشواره الفني، بحسب ما ذكر في لقاءات تلفزيونية سابقة. وشارك في بطولتها إلى جانب سناء جميل وماجدة الخطيب، بينما اقتُبست عن نص فرنسي للكاتبين "بالييه وجريدي"، وقام بتمصيرها وإخراجها كمال يس، فيما كتب الحوار يوسف إدريس.
الدراما والسينما
تميز الفنان عبد الرحمن أبو زهرة في أدواره الدرامية، وخاصة تلك المتعلقة بالشخصيات التاريخية، ومن أبرزها دوره في تجسيد "الحجاج بن يوسف الثقفي" في مسلسل "عمر بن عبد العزيز" مع الفنان نور الشريف عام 1994. وقال الفنان الراحل إن هذا الدور هو الأقرب إلى قلبه، لما حمله من تعقيد نفسي وثقل تاريخي وتحدٍ تمثيلي.
كما قدم أبو زهرة ثنائية لافتة أخرى مع الفنان نور الشريف من خلال شخصية "إبراهيم سردينة" في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" عام 1996، وهو عمل اجتماعي مأخوذ عن رواية للكاتب إحسان عبد القدوس، بسيناريو وحوار مصطفى محرم.
وجسد أبو زهرة في المسلسل دور المعلم الحكيم الذي دعم بطل العمل عبد الغفور البرعي (نور الشريف) منذ بداياته في التجارة. وقد تحولت هذه الشخصية إلى أيقونة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لا يزال الجمهور يستعيد نصائحه والحِكم والأمثال التي رددها عن العمل والحياة والعلاقات.
وقدم أيضاً شخصية "إبليس" في مسلسل "محمد رسول الله"، وشخصية "أبو لهب" في مسلسل "صدق وعده".
وبرز أبو زهرة في تقديم الشخصيات المركبة ذات الحضور القوي، رغم تأكيده الدائم على حبه للكوميديا، معتبراً أن خفة الظل جزء من شخصيته الإنسانية قبل أن تكون جزءاً من أدائه الفني، وكان يعزو ذلك إلى تأثير والدته في تكوين شخصيته.
الرسوم المتحركة
لم يقتصر حضور أبو زهرة على المسرح والدراما، بل ترك أثراً واسعاً في عالم الأداء الصوتي، مستفيداً من أدواته الصوتية المميزة وقدرته على المزج بين القوة والمرونة التعبيرية.
وبرز ذلك بوضوح في أدائه لشخصيات عالم ديزني، مثل "سكار" في النسخة العربية من فيلم "الأسد الملك"، حيث قدم الشخصية بصوت حمل سخرية لاذعة ونبرة تهديد خافتة، ما جعلها أكثر حضوراً لدى المشاهد العربي.
كما جسد شخصية "جعفر" في "علاء الدين"، معبّراً بمهارة عن طموح الشخصية وسعيها إلى السلطة.
وقال أبو زهرة في أحد اللقاءات إن شركة "ديزني" اعتبرته من أفضل من قدموا شخصية الأسد "سكار" في النسخ المترجمة حول العالم، ومنحته مكافأة إضافية قدرها ألفا دولار تقديراً لأدائه.
وفي السينما المصرية، شارك في فيلم الرسوم المتحركة "الفارس والأميرة"، مجسداً شخصية المشعوذ "أبو الرياح".
وتنقل أبو زهرة بين السينما والدراما التلفزيونية بخفة لافتة، وترك بصمات مؤثرة في أعمال عديدة، من بينها دوره في فيلم "أرض الخوف" أمام أحمد زكي، حيث جسد شخصية موظف البريد "موسى".
ورغم محدودية مساحة الدور، فإنه كان مؤثراً، خاصة في مشهد اكتشاف أن رسائل البطل كانت تمر عبر موظف بسيط.
كما شارك في عدد من الأفلام البارزة، من بينها "النوم في العسل" مع عادل إمام، و"امرأتان"، و"المتوحشة"، و"مطاوع وبهية"، و"ترويض الرجل"، و"ديل السمكة"، و"إنت عمري"، و"الجزيرة"، و"حب البنات"، و"تيتة رهيبة".
البطولة
ورغم موهبته الكبيرة، لم يحصل أبو زهرة على أدوار البطولة المطلقة كثيراً، وكان يرى أن الحظ لم ينصفه في هذا الجانب، لكنه لم يكن يرى في ترتيب الأسماء أو البطولة المطلقة معياراً حقيقياً لقيمة الفنان، بقدر ما هو تأثير الشخصية وبقاؤها في ذاكرة الجمهور.
وفي السنوات الأخيرة، عبّر أكثر من مرة عن حزنه بسبب قلة الأعمال المعروضة عليه، وقال في أحد تصريحاته: "اعتبروني وجهاً جديداً"، وهو ما أثار تفاعلاً واسعاً بين جمهوره.
ورغم ذلك، عاد عام 2021 للمشاركة في عدد من الأعمال، بينها "هجمة مرتدة"، و"موضوع عائلي"، و"ستات بيت المعادي"، قبل أن يعلن نجله اعتزاله الفن عام 2023.
متاعب صحية
بدأت متاعب عبد الرحمن أبو زهرة الصحية بإصابته بفيروس كورونا، ودخوله المستشفى للعزل، قبل أن تتطور حالته لاحقاً إلى مضاعفات استدعت تدخلاً جراحياً.
وشهدت حالته تدهوراً ملحوظاً منذ عيد الفطر الماضي، مع معاناته من مشكلات معقدة في الرئة، ونقص في الأكسجين، وصعوبة في التنفس، ما استدعى إخضاعه لأجهزة التنفس الصناعي.
ويُعد أبو زهرة من أبرز نجوم جيله، إذ امتدت مسيرته الفنية لأكثر من ستة عقود، تنقل خلالها بين المسرح والدراما والسينما والأداء الصوتي، وترك بصمة خاصة في ذاكرة الجمهور العربي.
وخلال تلك المسيرة، حصل على عدد من الجوائز المرموقة، من بينها وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون.



