*
الاثنين: 11 أيار 2026
  • 11 أيار 2026
  • 21:27
خبيرة بيئية طيور القرقف تكشف تأثيرات المناخ على الطبيعة

خبرني - ربما إذا زرت غابة «ويتام» بالقرب من أكسفورد في فصل الربيع، ستسمع تغريدات مميزة لطائر صغير الحجم بجمال لافت، وتجذب ألوان ريشه العيون؛ إذ يمتلك ظهراً أخضر مزرقاً وصدراً أصفر اللون يفصله خط أسود في المنتصف.

 

يحلق الطائر بخفة في الغابة بالقرب من صناديق التعشيش أو بداخلها، يغني بصوت مميز، ولديه مجموعة واسعة من الأغاني والنداءات التي تُسمع في جميع أنحاء الغابة؛ خصوصاً خلال فصل الربيع.

إنه القرقف الكبير (Great Tit)، وهو طائر شائع في المملكة المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي، ويعتبره العلماء نموذجاً مثالياً للدراسات؛ إذ يسهل تتبعه وملاحظته، ومتابعة التغيرات الحاصلة في صفاته وسلوكياته خلال سنوات قليلة؛ لأنه يتكاثر بسرعة نسبياً.

كما أنّ تتبع تكاثر طائر القرقف الكبير يُعطي العلماء انطباعاً عن التغيرات في النظام البيئي حوله؛ خاصة وأنه يعتمد في غذائه على اليرقات، وأي خلل بين الاثنين يكشف تأثيرات التغيرات المناخية على الأنظمة البيئية التي يعيش فيها الطائر. وبالفعل، أجرت مجموعة بحثية من جامعة أكسفورد دراسة للبحث في تأثير الظروف الطقسية القاسية مثل البرد القارس أو الأمطار الغزيرة على نمو فراخ طائر القرقف الكبير في المملكة المتحدة.

وخلصت الدراسة المنشورة في دورية "جلوبال تشانج بيولوجي" (Global Change Biology) يوم 11 مارس/آذار 2026، إلى أنّ الظروف الطقسية المناخية القاسية تُعيق النمو المبكر لصغار ذلك الطائر، ما يُقلل من فرص بقائها على قيد الحياة. وفي نفس الوقت؛ فالتكاثر خلال وقت مبكر من الموسم قد يُقلل من تأثيرات الطقس.

وتقول باحثة دكتوراه في قسم البيولوجي بجامعة أكسفورد، ديفي ساتاركار (Devi Satarkar)، لـ"العين الإخبارية" في حوار خاص: "ما نلاحظه في أوكسفوردشاير، المملكة المتحدة، هو أن طيور القرقف الكبير تضع بيضها الآن قبل أسبوعين على الأقل مما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي". وتتابع موضحة أنّ ذلك غالبًا يعود إلى "ارتفاع درجات الحرارة الربيعية على المدى الطويل، وليس إلى موجات البرد أو الحر".

بيانات ضخمة

استخدم الباحثون بيانات تاريخ حياة ما يزيد عن 83 ألف فرد من طيور القرقف الكبير البرية، واسمها العلمي (Parus major)، على مدى 60 عامًا، كما استعانوا بسجلات المناخ اليومية، وتتبعوا مراحل نمو الطيور وحساسيتها للظواهر المناخية المتطرفة، وقد جمعوا تلك البيانات من غابة ويتام التابعة لجامعة أكسفورد، وهي من أشهر مواقع الدراسات البيئية في العالم، هناك حيث تم توفير أكثر من ألف صندوق تعشيش اصطناعي للطيور المغردة التي تُعشش هناك، وتجدر الإشارة إلى أنه في ويتام تُستخدم صناديق تعشيش خشبية أسمنتية قياسية من طراز "شفيغلر 1B"، والتي قد حافظت على تصميمها منذ أواخر السبعينيات، لكنها تُظهر عدم استقرار حراري أكبر من التجاويف الطبيعية؛ بسبب ضعف عزلها عن درجات الحرارة المحيطة، وهذا يعني أنّ الفراخ تواجه تقلبات حرارية أكبر.

خلال موسم التكاثر بين شهري أبريل/نيسان ويونيو/حزيران، على الأقل مرة واحدة أسبوعيًا يتم زيارة الصناديق؛ لجمع معلومات حول تاريخ وضع البيض (تاريخ وضع أول بيضة) وتاريخ الفقس وحجم العش وعدد الفراخ التي تفقس. ويتم قياس الوزن عند عمر الـ 15 يومًا.

كما حدد الباحثون الأيام التي تخرج فيها ظروف الطقس عن الطبيعي خلال موسم التكاثر، مثلًا الأيام الأكثر برودة والأيام الأكثر حرارة ورطوبة. بعد ذلك، أحصوا عدد الأيام خلال فترات نمو محددة، بهدف دراسة تأثيرها على كتلة الجسم عند مغادرة الفراخ أعشاشها، وهذا مؤشر رئيسي على بقائها.

وتحدثنا "ساتاركار" عن تحديات متابعة الفريق البحثي للفراخ بعد مغادرة العش، قائلة: "يمكن أن تؤثر الظروف الجوية القاسية على نمو الفراخ وبقائها بعد مغادرة العش، لكن قياس البقاء مباشرةً لهو أمر صعب للغاية؛ فبمجرد مغادرة الفراخ للعش، يصعب تتبعها فرادى. لذلك، لا يمكننا أن نعرف أنها نجت إلا إذا انضمت لاحقًا إلى مجموعات التكاثر. وهذا يعني أن تقديراتنا لـ"معدل البقاء الظاهري" متحفظة؛ إذ يُفترض أن أي طيور تنتشر في أماكن أخرى، أو تتكاثر في غابات ويتام دون أن نرصدها، لم تنجُ".

تغيّرات في الوزن

خلص الباحثون إلى أنّ البرد القارس خلال أول أسبوع بعد الفقس كان ضارًا بصورة خاصة، أما الأمطار الغزيرة؛ فقد كانت أسوأ بالنسبة للفراخ مع تقدمها بالعمر. ويتسبب كلا الحدثين في تقليل كتلة الجسم عند مغادرة الفراخ أعشاشها بنسبة تصل إلى 3%. أما في حالات الحر الشديد المتزامنة مع هطول الأمطار الغزيرة؛ ينخفض وزن الفراخ بنسبة تصل إلى 27%؛ خاصة لدى الحضنات التي تضع بيضها في وقت متأخر من موسم التكاثر.

وفي تصريحاتها الخاصة للعين الإخبارية، تقول "ساتاركار": "لقد لاحظنا في دراستنا أنّ موجات البرد المتكررة، وأيضًا إلى حدٍ أقل، فترات الأمطار الغزيرة خلال فترة النمو، ترتبط بانخفاض "معدل البقاء" الظاهري، بينما تميل فترات الدفء إلى إظهار نمط معاكس. مع ذلك؛ فإنّ تلك التأثيرات أضعف من تأثيراتها على وزن الفراخ عند مغادرة العش، وتتداخل إلى حد كبير مع تاريخ وضع البيض. ومن هنا، يمكننا القول بثقة أكبر أن الظروف الجوية القاسية تؤثر على وزن الفراخ عند مغادرة العش، ونستنتج تبعات غير مباشرة على البقاء، بدلًا من تتبع البقاء بعد مغادرة العش مباشرةً".

وتتابع: "إننا نوضح في بحثنا أنّ الظواهر الجوية القاسية قد تؤثر على مواعيد تكاثر الطيور. مثلًا، تتسبب الحرارة الشديدة والأمطار الغزيرة في إلحاق الضرر البالغ بالفراخ التي تضع بيضها في وقت متأخر من الموسم. وبالتالي؛ فقد أدى تغير المناخ إلى تغيير الظروف المناخية العامة وضغوط الانتقاء المتعلقة بمواعيد التكاثر في مجموعتنا. وتتابع مشيرة إلى أنهم لم يلاحظوا وجود صلة مباشرة بين "زيادة حدة الظواهر الجوية" و"التحول المفاجئ في مواعيد وضع البيض".

محاولة للتكيف

أيضًا تكشف النتائج عن أنّ مجموعات طيور القرقف الكبير قد تكيّفت مع فصول الربيع الدافئة خلال فترات التكاثر المبكرة لمواكبة ذروة وفرة فريستها الرئيسية، وهي اليرقات. وعلى الرغم من أنّ التبكير في وضع البيض قد حدث لنمط تكيفي؛ إلا أنه يُعد مفيدًا بصورة عامة؛ لأنه يحميها من آثار الطقس القاسي، لكنه يعرضها لموجات البرد في بداية الموسم.

وتعلق "ساتاركار": "نظريًا، نعم، تستطيع الطيور التكيف مع تغير المناخ، ونشهد بالفعل بعض التحولات التكيفية، مثل تغير مواعيد التكاثر. ففي ويتام، على سبيل المثال، تميل طيور القرقف الكبير الآن إلى التكاثر أبكر مما كانت عليه قبل عدة عقود، وهو ما يعكس على الأرجح استجابة تكيفية لارتفاع درجات حرارة الربيع وتغير مواسم الغذاء، وتُظهر دراستنا أن التكاثر المبكر يُساعد في التخفيف من بعض الآثار السلبية للظواهر المناخية المتطرفة على النمو والبقاء".

وتُضيف: "مع ذلك، فإن السبب الرئيسي وراء خطورة تغير المناخ على التجمعات البرية هو أن وتيرة التغير البيئي قد تتجاوز سرعة تكيفها. فالاستجابات التطورية تستغرق وقتًا وتعتمد على وجود تنوع كافٍ في التجمعات السكانية لكي يعمل الانتقاء الطبيعي. وإذا أصبحت الظواهر المتطرفة متكررة أو شديدة للغاية، فقد تُقلل من حجم التجمعات السكانية وتُضعف التنوع اللازم لمزيد من التكيف".

لكن، لا تستطيع الفراخ حديثة الفقس تنظيم درجة حرارة أجسامها بكفاءة؛ بسبب عدم امتلاكها الريش، ما يجعلها توجه طاقتها نحو التدفئة بدلًا من النمو خلال موجات البرد. من جانب آخر، قد تُثني موجات البرد الشديدة الآباء عن البحث عن الطعام، وتتسبب الأمطار الغزيرة في إسقاط اليرقات من النباتات، تلك العوامل تُقلل من الغذاء المتاح للفراخ النامية التي تحتاج إلى طاقة عالية جدًا.

لاحظ مؤلفو الدراسة أيضًا أنّ موجات الحر الشديدة، قد تسببت في زيادة في أوزان الفراخ عند بلوغها مرحلة الطيران. مع ذلك؛ فإنهم يرون أنّ درجات الحرارة المرتفعة قد تُسبب إجهادًا حراريًا، وربما هذه النتائج قد تعود إلى أنّ موجات الدفء في أوكسفوردشير معتدلة مقارنة بموجات الحر الشديدة في جنوب أوروبا.

"في تجمعاتنا، نرى بعض الأدلة على أن الطيور قد "واكبت" التغيرات حتى الآن من خلال تقديم مواعيد التكاثر، وأن موجات الدفء المعتدلة قد تكون مفيدة في هذه المنطقة المعتدلة المناخ. في الوقت نفسه، يزيد التكاثر المبكر من التعرض لموجات البرد المبكرة الضارة. لذا، أقول إن هناك مجالاً للتكيف، لكن لا يوجد ما يضمن أن يكون سريعًا أو مرنًا بما يكفي لمواكبة مسارات المناخ المستقبلية، خاصةً إذا استمرت الظواهر المناخية المتطرفة في التفاقم". تشرح ديفي.

مسألة بقاء

ونتيجة موجات الحر الشديدة في أوكسفوردشاير؛ فقد يتسبب الدفء في نمو الرقات؛ فيسهل على الآباء العثور عليها، كما تتميز اليرقات بمحتوى عالٍ من الماء، ما يُساعدها على مقاومة الجفاف، وهذا يُقلل من تكاليف تنظيم حرارة الفراخ.

وتُظهر النتائج أيضًا أنّ الفراخ التي تتكاثر في بداية الموسم تستفيد من فترات الدفء خلال الربيع؛ حيث تكثر اليرقات وتبقى درجات الحرارة ضمن نطاق التحمّل الحراري. أما التي تتكاثر لاحقًا؛ فلا يكون وضعها جيدًا؛ حيث يقل وزنها عند الفقس بنحو الثُلث.

من جانب آخر، يرى مؤلفو الدراسة أنه على المدى الطويل، يُقلل البرد الشديد والأمطار الغزيرة من فرص بقاء اليرقات حتى مرحلة البلوغ، بينما قد تكون الحرارة الشديدة لها بعض الآثار الإيجابية الطفيفة. مع ذلك؛ فالتكاثر في وقت مبكر من الموسم، قد يُخفف من العديد من تلك الآثار المرتبطة بالطقس.

وتقترح "ديفي ساتاركار" بعض التدخلات البشرية التي قد تساعد طيور القرقف الكبير في غابات ويتام والطيور التي تعشش في تجاويف الأشجار باستخدام صناديق التعشيش الاصطناعية بشكل عام، في التخفيف من آثار الطقس القاسي، مع العلم أن لكل منها حدوده، وتقول للعين الإخبارية: "يمكن تحسين المناخ المحلي لصناديق التعشيش من خلال عزل أفضل أو أسقف مزدوجة أو دروع عاكسة أو إضافة تظليل؛ فهذا يساعد في تنظيم الحرارة والبرودة داخل الصناديق، مع العلم أن التصاميم المعزولة قد ترتفع درجة حرارتها بشكل مفرط خلال موجات الحر الشديدة. وبالمثل، فإن تركيب الصناديق في مناطق الغابات الأكثر ظلاً، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس بعد الظهر، والابتعاد عن المواد ذات الألوان الداكنة جداً، كلها أمور تساعد في تقليل تقلبات درجات الحرارة".

وتختتم "ساتاركار" حوارها مع العين الإخبارية، موضحة أهمية حماية تجاويف الأشجار الطبيعية والحفاظ على الغابات؛ لأن الثقوب الطبيعية غالبًا ما توفر مناخات محلية أكثر استقرارًا حراريًا من الصناديق القياسية. "مع ذلك، لم تختبر دراستنا أي تدخلات بشكل مباشر. لقد رصدنا فقط تأثيرات الطقس في الواقع على الفراخ في البيئة القائمة. لذلك تبقى هذه التدخلات مجرد خيارات واعدة وليست حلولًا مثبتة؛ فأي نهج يتطلب تكييفه مع النوع المحدد والموئل والظروف المناخية المحلية، بدلاً من تطبيقه بشكل عام".

مواضيع قد تعجبك