*
الجمعة: 08 أيار 2026
  • 08 أيار 2026
  • 10:47
الدولة في مواجهة افات العصر والانفلات الرقمي
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثورة الرقمية ، وتتدفق فيه الصور والمعاني  والبيانات والمعلومات بلا ضفاف، تغدو مسؤولية الدولة في صون المجتمع أكثر تعقيداً وأشد إلحاحاً. ومن هذا المنطلق، تأتي خطوة الحكومة الأردنية نحو حجب المواقع الإباحية، بوصفها موقفاً واعياً لا يكتفي بملاحقة الظواهر، بل يسعى إلى معالجة جذورها، وإعادة التوازن بين الانفتاح الواجب والحماية الواجبة.
إن هذه الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها إجراءً تقنياً عابراً، بل هي تعبير عن إرادةٍ سياسيةٍ ترى في الإنسان قيمةً عليا، وفي الأسرة نواةً لا يجوز التفريط بسلامتها. فالمجتمعات لا تتآكل فجأة، بل تنخرها آفات العصر بصمت؛ تبدأ بفكرةٍ عابرة، ثم تتحول إلى سلوك، فإلى نمطٍ يهدد البنية الأخلاقية والنفسية على حد سواء. ومن هنا، فإن التصدي لمحتوى يعبث بالوعي ويشوّه الفطرة ليس ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة حضارية تمليها مسؤولية الحاضر وحق المستقبل.
لقد أثبتت التجارب أن الفضاء الرقمي، على رحابته، ليس بريئاً دائماً؛ فهو كما يفتح آفاق المعرفة، يفتح أبواباً للتيه أيضاً. والإدمان الرقمي، بما يحمله من عزلة واضطراب وتفكك، لم يعد شأناً فردياً، بل غدا قضية أمنٍ مجتمعي تمس استقرار الأسر وتماسكها. ومن هنا، فإن كل خطوة تحدّ من منابع هذا الخطر إنما تسهم في ترسيخ الطمأنينة، وصيانة النسيج الاجتماعي من التشظي.
غير أن عظمة هذه المبادرة تكمن أيضاً في ما تفتحه من أفقٍ لخطواتٍ تالية، إذ إن حماية المجتمع من آفات العصر لا تتحقق بقرارٍ واحد، مهما بلغ من الأهمية، بل تحتاج إلى منظومةٍ متكاملةٍ تتضافر فيها التشريعات مع التربية، والتقنية مع التوعية، والرقابة مع بناء الوعي. فالمعركة الحقيقية ليست مع المحتوى فحسب، بل مع الفراغ الذي يتسلل منه، ومع الهشاشة التي يجد فيها طريقه إلى النفوس.
ومن هنا، يظل الأمل معقوداً على أن تتواصل الجهود، وأن تتسع دائرة الحماية لتشمل برامج تثقيفية عميقة، ومبادرات شبابية خلاقة، ومنابر إعلامية مسؤولة، تسهم جميعها في بناء إنسانٍ قادرٍ على التمييز، محصّنٍ بالوعي، لا منغلقٍ عن العالم، ولا مستسلمٍ لتياراته الجارفة.
إننا، إذ نشيد بهذه الخطوة المقدرة عاليا ، فإننا نشدّ على يد صانع القرار وندعوه للضرب بيد من حديد لكل من يروج لأفات العصر الرقمي ، لا بوصفها نهاية المطاف، بل بداية طريقٍ عنوانه حماية الإنسان، وغايتُه صونُ كرامته، ووسيلتُه وعيٌ مستنيرٌ لا يغفل عن مخاطر العصر، ولا يفقد ثقته بقدرة المجتمع على تجاوزها. ففي مثل هذه القرارات، تتجلى هيبة المسؤولية، ويُصان المعنى العميق لفكرة الدولة: أن تكون حارسةً للقيم، كما هي راعيةٌ للمصالح، وسداً منيعاً في وجه كل ما يهدد أمن المجتمع وسلامه..

مواضيع قد تعجبك